تندرج هذه الندوات ضمن الشق الفكري من برنامج المهرجان سينما الجبل الدولي بأوزود الذي تضمن درسا افتتاحيا حول موضوع “الهوية الوطنية والسرد الوطني والسينما” وندوة حول “دور الصناعة السينمائية في استراتيجية التنمية الترابية المندمجة” ولقاء حول “تيمة الجبل في السرد المغربي“…
بيت الفن
فتحت فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان سينما الجبل الدولي بأوزود، التي انعقدت خلال الفترة من 2 إلى 6 شتنبر الجاري، نقاشات مهمة حول “الهوية الوطنية والسرد الوطني والسينما”، و”تيمة الجبل في السرد المغربي”، و”دور الصناعة السينمائية في استراتيجية التنمية المجالية المندمجة”، وذلك من خلال عقد ندوات بمشاركة أساتذة باحثين ونقاد وأدباء وسينمائيين وإعلاميين مغاربة وأجانب.

الهوية الوطنية والسرد الوطني والسينما
تناولت الندوة الافتتاحية موضوع “الهوية الوطنية والسرد الوطني والسينما”، حيث أبرز وسيط المملكة، حسن طارق، أن السينما تصوغ تمثلاتنا عن ذواتنا ومجتمعاتنا وتاريخنا.
وأكد أن أهمية المهرجان تكمن في انفتاحه على “سينما الهامش”، وفي كونه لا يقتصر على العروض السينمائية العمومية وعروض المسابقة الرسمية، بل يفسح أيضا المجال للنقاشات ويرسخ تقليد الدرس الافتتاحي.

حظيت المحاضرة بتفاعل كبير مع الحضور، حيث تناول المحاضر الموضوع من زاوية مختلفة أمام جمهور من المخرجين وكتاب السيناريو والنقاد السينمائيين والصحافيين، ما أفضى إلى نقاش غني تلاقحت خلاله وجهات نظر متعددة ومتكاملة حول هذه القضية.

تيمة الجبل في السرد المغربي
بتنسيق مع مختبر السرديات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء، تمحورت الندوة الثانية حول “تيمة الجبل في السرد المغربي”، وذلك بمشاركة لطيفة المسكيني ومصطفى جباري وإبراهيم أزوغ، ومبارك حسني.
تميزت مداخلات الندوة، التي سيرها مدير مختبر السرديات، شعيب حليفي، بتنوع زوايا مقاربة الجبل وحضوره في الرواية والقصة والسينما بالمغرب، حيث امتدت دراسة هذه التيمة إلى أعمال سينمائية مقتبسة عن أعما روائية من بينها (جبل موسى وبامو لإدريس لمريني)،
وكذلك أعمال روائية وقصصية، مع تناول الحضور الرمزي والتاريخي والجغرافي للجبل في المتن السردي المغربي.
وتوقفت الندوة عند الجبل باعتباره فضاء سرديا ورمزيا يتجاوز حضوره كخلفية جغرافية، ليحمل دلالات الذاكرة والهوية والعزلة والمقاومة والمقدس، ويكشف علاقة الإنسان بالمكان وبالهامش وبالمركز.
وتوزعت المداخلات بين الجبل في الرواية المغربية من الحضور الجغرافي إلى الرمز الصوفي، وتمثيلاته بين الكلمة والصورة السينمائية، وتخييل المكان وإنتاج الدلالة السردية، وإشكالية بناء الفضاء الجبلي في السينما المغربية.
كما شكلت الندوة مناسبة لتقريب وجهات النظر حول حضور الجبل والطبيعة الجبلية في هذه الأعمال، حيث اقترح المشاركون جرد الروايات المغربية التي تناولت تيمة الجبل، سواء كان حضوره فيها مركزيا أو ثانويا، ضمن تصور جغرافي ومادي أو في إطار تصور رمزي وروحي.

في ورقته التي عنونها بـ: “الجبل في السينما المغربية: إشكالية بناء الفضاء الجبلي سينمائيا” يرى القاص والناقد السينمائي مبارك حسني أن الجبل ارتبط تاريخيا بنشأة الجماعات والزوايا، وبمقاومة المستعمر، وبالدفاع عن الأرض والكرامة، وبتأسيس الإمبراطوريات كالموحدين مثلا. ومن ثم، يحمل الجبل في مخيالنا رصيدا رمزيا كثيفا يتجاوز حضوره الطبيعي.
وبعدما استعرض تجارب سينمائية عالمية نجحت في توظيف الجبل بشكل رائع جدا مثل فيلم “كاجيموشا” للمخرج الياباني المعروف أكيرا كوروساوا، تساءل حسني عن حضور الجبل في المتن الفيلمي المغربي، وهل تنتج أو أنتجت سينمانا صورة الجبل، أم تكتفي بإعادة إنتاج صورة سابقة؟
وللجواب عن السؤالين اللذين طرحهما قارب حسني ثلاثة أفلام روائية مغربية، هي “كنوز الأطلس” للمخرج الراحل أمولود العبازي، و”أدور” (الشرف) لأحمد بايدو، و”مختار” للمخرجة حليمة الودغيري)
من جانبها تناولت لطيفة المسكيني في مداخلتها الحضور الجغرافي والرمزي والصوفي للجبل، من خلال تحليل مجموعة من الأعمال الروائية، بدءا برواية “بامو”، مرورا بأعمال الروائي مصطفى لغتيري، وحضور الجبل في “ثورة الأيام الأربعة” لعبد الكريم جويطي و”الشيخ والجبل” لشعيب حليفي، وصولا إلى الرمزية الصوفية للجبل في “جبل قاف” للروائي والمفكر عبد الإله بنعرفة.
وأعربت عن أملها في أن يساهم هذا اللقاء في سد الفراغ الذي تعرفه الساحة الثقافية المغربية في مجال التقريب بين السينمائيين والمؤلفين والكتاب المغاربة، بما يتيح اشتغالا أكبر على الأدب المغربي ويضمن حضوره وإشعاعه على الصعيدين الوطني والدولي.
وانطلقت ورقة الباحث إبراهيم أزواغ من كون الجبل في الرواية المغربية ببساطة هو صيغة للتعبيرعن علاقة الإنسان بهذا المكان، وأيضا علاقة هذا الإنسان بتاريخه وبهويته، وليس موضوعا مكانيا على الإطلاق، مشيرا إلى أن الغاية من هذه الورقة ليست مقاربة الجبل باعتباره موضوعا مكانيا.
وتناول أزواغ روايات اعتبرت الجبل رمزا للتهميش والاستغلال مثل “هديان معلم” لعلي الناصري، و”فدان الجمل” لعبد الرحيم كلموني، كما عرج على “سيرة الجبل” لمحمد أمزيان، و”تقرير إلى الهدهد” لشعيب حليفي، وأعمال روائية عبد الكريم الجويطي، ومحمد أبو العلا وآخرين.

دور الصناعة السينمائية في استراتيجية التنمية المجالية المندمجة
أخيرا، شكل موضوع “دور الصناعة السينمائية في استراتيجية التنمية المجالية المندمجة” محور الندوة الختامية، التي انعقدت، أول أمس السبت، ضمن الشق الفكري لفعاليات الدورة الرابعة لمهرجان سينما الجبل الدولي بأوزود، وذلك بمشاركة كل من الباحث المتخصص في التنمية المجالية والمدير السابق للمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، عبد العزيز أديدي، وعالم الاجتماع والأستاذ الجامعي عبد الفتاح الزين، والمنتج والمخرج سعد الشرايبي، والأستاذ الباحث ومدير مركز تاوسنا للدراسات الاجتماعية بأكادير، خالد عيو.
ودعا المشاركون في هذا اللقاء إلى اعتماد سياسة عمومية تنهض بقدرات السينما وأدوارها في دعم التنمية المندمجة بالمناطق الجبلية، مؤكدين ضرورة التعامل مع الصناعة السينمائية باعتبارها رافعة تنموية تتجاوز الأبعاد التقنية والاقتصادية، وتساهم في التعريف بالمؤهلات الطبيعية والثقافية لهذه المجالات وتثمينها.
وأبرزوا أن النهوض بهذا الدور يقتضي تجاوز الصورة النمطية عن المجال الجبلي، واعتماد مقاربة تنموية مندمجة تأخذ بعين الاعتبار موارده الطبيعية والبشرية والثقافية، وتدعم قدراته في مجال الإنتاج السينمائي، بما يعزز مساهمته في التنمية المحلية.
وأكد مسير الندوة، رئيس منتدى المواطنة بالمغرب، عبد العالي مستور، أن هذا اللقاء، الثالث ضمن برنامج الدورة، خلص من خلال المداخلات والنقاش إلى التأكيد على الدور المحوري للصناعة السينمائية في التنمية المندمجة للمجالات، وعلى ضرورة اعتماد مقاربة تنموية تتجاوز التصور التقني أو الاقتصادي الصرف لهذه الصناعة.
وأضاف أن المجال الجبلي يضم جزءا مهما من الموارد الطبيعية المغربية، المائية والغابوية والمعدنية والمنجمية، فضلا عن موارد فلاحية ورعوية، ورصيدا غنيا من الموارد الثقافية والفنية، ومن الخبرات المرتبطة بالتنظيم والتأطير والتدبير الاجتماعي والمجالي والسياسي.
يشار إلى أن الدورة الرابعة من المهرجان الدولي لسينما الجبل، التي انعقدت تحت شعار “الجبل، السمو، والسلام” تنظمها مؤسسة صوت الجبل للتراث والتنمية المستدامة منذ سنة 2023، بهدف جعل السينما رافعة للتعريف بالمناطق الجبلية وتثمين مؤهلاتها الطبيعية والثقافية، وتعزيز مكانة أوزود كوجهة تتقاطع فيها الثقافة والطبيعة والفن السابع.
وتندرج هذه الندوات ضمن الشق الفكري من برنامج هذه الدورة، الذي تضمن درسا افتتاحيا ألقاه وسيط المملكة، حسن طارق، حول موضوع “الهوية الوطنية والسرد الوطني والسينما”، وندوة “دور الصناعة السينمائية في استراتيجية التنمية الترابية المندمجة”، و”تيمة الجبل في السرد المغربي”.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.