سعد الشرايبي: أعدك يا صديقي ومعلمي بأنني سأبذل قصارى جهدي لتبقى سينماك حية ما حييت وفاء لذكراك ولشغفك وللسعادة التي منحتنا إياها ارقد بسلام يا صديقي فأنت لا تزال تعيش بيننا…
بيت الفن
من أبرز فقرات برنامج حفل افتتاح الدورة الرابعة للمهرجان الدولي لسينما الجبل بأوزود، ليلة الأربعاء 2 شتنبر 2026، ترسيخ ثقافة الاعتراف بتكريم روح المخرج السينمائي الراحل مصطفى الدرقاوي (1941- 2026).
وتميزت فقرة الاحتفاء بروح مخرج “أحداث بلا دلالة”، بحضور المخرج سعد الشرايبي، الذي تسلم ذرع التكريم وألقى كلمة في حق رفيق دربه مصطفى الدرقاوي.
في هذه الكلمة قال المخرج سعد الشرايبي:
هل تتذكر يا مصطفى؟ نعم، أنت تتذكر! فذاكرتك كانت تختزن كل التفاصيل؛ كنتَ مَن يذكرنا دائما بالأحداث والوقائع بتفاصيل دقيقة، وتذكرنا بما قاله كل منا وما فعله وفي أي وقت، تتذكر نقاشاتنا التي امتدت لسنوات، كنتَ تحدثني عن دولوز ولاكان ودريدا وشوبنهاور، وكنت أحدثك عن بازان وبارت ودانِي ومجلة “دفاتر السينما” (Cahiers du cinéma).
كنتَ تصف لي كيف تقطع المشهد، وكيف تبنيه أثناء التصوير، وكيف تفكك عناصره على طاولة المونتاج لتستخلص منه جوهرا مختلفا.
ومنذ ذلك الحين، تقاسمنا معا أفراح ومباهج صناعة الصور، وآلام ومعاناة شح الإمكانيات اللازمة لتصورها وتنفيذها.
تتذكر المعارك التي خضناها معا لتوحيد صفوف زملائنا السينمائيين، ولصياغة النصوص القانونية التي تنظم مهنتنا اليوم في بلادنا، وتتذكر أنني كلما واجهت عقبة، سواء كانت هيكلية أو تتعلق بالعلاقات أو الجوانب التقنية أو الإنسانية، كنت أجد عندك المشورة السديدة، مزيجا من العقلانية والجرأة التي كانت تدفعنا للحلم بأفضل سينما يمكننا تقديمها، وبأفضل الهياكل التي يمكننا إرساؤها، وبأفضل وطن يمكننا بناؤه، جنبا إلى جنب مع الآخرين، يدا في يد.
هل تذكر تلك الهزة الفنية التي حدثت في ورزازات عقب الأيام التي نظمتها “جمعية نقاد السينما” حول أعمالك؟
وأتذكر تلك العبارة الحاسمة التي بحت لي بها على متن طائرة العودة: “سأغير نهجي، سأصنع السينما التي يطلبون مني صنعها، وسأقترب أكثر من الجمهور”.
مات “مصطفى” القديم وولد “مصطفى” جديد، أما ما تلا ذلك فنعرفه جميعا، طوال هذه المسيرة، جعلتَ السينما حياتك، وجعلتَ حياتك سينما، ضحيتَ براحتك الشخصية والعائلية من أجل فنك. قمتَ بالتدريب والتكوين بلا كلل، تقنيين وممثلين ومخرجين وكتاب سيناريو، دون أن تطلب مقابلا أو تعويضا.
لم تسعَ وراء المجد أو الأوسمة، بل آثرت عليها عملك الذي لا يزال شاهدا اليوم على مسيرتك، ثم جاءت الصدمة الجسدية، ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى عشرين عاما، ظللت تحلم وتناضل، حلمتَ بإنجاز فيلم جديد، وناضلت ضد المرض، لقد انتصرت عزيمتك وشجاعتك، فأدرتَ، وأنت على كرسيك المتحرك، فريق عمل متفانٍ تماما لإنجاز فيلم “حميدة الجايح”، يا له من عنوان يحمل نذير ما سيحدث.
أعدك يا صديقي ومعلمي بأنني سأبذل قصارى جهدي لتبقى سينماك حية ما حييت، وفاء لذكراك، ولشغفك، وللسعادة التي منحتنا إياها، ارقد بسلام يا صديقي، فأنت لا تزال تعيش بيننا.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.