لا داعي لطرح السؤال حول التدليس الذي يمارس باسم تبادل الثروات الثقافية وتداولها من خلال المشاركة في المهرجانات الدولية بقدر ما هي محكومة بأغراض شخصية وفئوية عصبها البهرجة الزائفة ووقودها المال العام…
بين حفل “شعبانة” بمهرجان برلين وحفل “الخروف” بمهرجان كان، يرسم القَيِّمُون على الثقافة والسينما عنوانهم الأبرز:” معايا المحفظة”، استئناسا بفيلم لعادل إمام “المحفظة معايا”.…
عبد الواحد المهتاني
إذا كنا نولي السينما الكثير من الاهتمام بينما الناس يذوقون في المر في الحصول بالكاد على لقمة العيش، فإننا لا نرى في هذا الاهتمام ترفا، ربما يعتقد بعض الرسميين من الحكومة الذين يجتمعون حول همومنا أو بالأحرى الزيادة في مفعولها، أن السينما مجرد ترفيه، والذي لا قيمة له مقارنة بالأنواع الأخرى، من قبيل الكافيار الذي يزين موائدهم العامرة في كل ليلة حين يتبادلون التهاني حول صفقاتهم، في حين يستكثرون على هذا الشعب المسكين كيلو سردين، أو فول مُدَمَسْ، أما الخروف فَبَاتَ يَطُلُّ شبحه على المغاربة من خلال شظايا الزجاج الملون!
لا يهمهم حصاد السينما أو الثقافة والإعلام وما آل إليه من تدهور، بقدر ما يهمهم حصادهم النهائي أن يكون لهم نصيب من بيض الدجاج الذي يبيض ذهبا، يغدقون منه قسطا قليلا على المقربين إليهم لتوسيع دوائرهم الانتخابية. وعليه فلا مجال أمام المخرجين الشباب الحالمين بالخروج عن التوليفات التقليدية، والمحظوظ منهم من يستطيع ولوج المحمية الاقطاعية، ليخضع للتسمين من طرف “الفراقشية”، ومع ذلك، ويا أسفاه لم يكن لهم حصة ولو رمزية من جوائز مهرجان كان السينمائي، بل لم يستطيعوا حتى منافسة “الكلبة يوري” بطلة الفيلم الشيلي على جائزة “بالم دوغ”، والتي يمنحها مهرجان كان السينمائي لأفضل أداء للكلاب في الأفلام المشاركة ضمن المسابقة الرسمية والأقسام الموازية.
قد يقول قائل إنه شيء طبيعي، بكون أفلامنا هي التجسيد الكامل لـ”سينما الأزمة”، والتي تصلح لسوق الخردوات أو “مقبرة الخردوات” وهي عنوان لنصوص قصصية للكاتب أنيس الرافعي، الذي ضمنها نصا تحت عنوان: “ابتهال ميتافيزيقي”، والذي يُشَرِّحُ من خلاله ملامح ساخرة وكاريكاتورية لأشباه مثقفين صارت تنضح بهم الساحة الثقافية، بعضهم غيروا جلودهم مع التقلبات الدرامية، وساروا في ركب طحالب اعتلت السطح الصاخب بالحفلات التنكرية، فيما تظل الأعماق ساكنة.
وعليه لا داعي لطرح السؤال، حول التدليس الذي يمارس باسم تبادل الثروات الثقافية وتداولها من خلال المشاركة في المهرجانات الدولية، بقدر ما هي محكومة بأغراض شخصية وفئوية عصبها البهرجة الزائفة، ووقودها المال العام، فبين حفل “شعبانة” بمهرجان برلين، وحفل الخروف بمهرجان كان، يرسم القَيِّمُون على الثقافة والسينما عنوانهم الأبرز:” معايا المحفظة”، استئناسا بالفيلم القديم لعادل إمام، “المحفظة معايا”.
خلاصة القول، إن السينما المغربية لا تعاني من “الأزمة” أو المأزق – أيا كانت التسمية التي نطلقها عليها، بل تعاني سكرات الموت والاحتضار، فقد افتقدت طوال تاريخها من مبادرات فردية إلى “مؤسسة ” بالمعنى الأشمل للكلمة (في الأغلب بسبب ضيق وهشاشة الرأسمالية المغربية الطفيلية، وغالبيتهم شَنَّاقَة)، يَعْتاشُونَ على تدوير الدعم وكسب مغانم في كل المجالات، التي لم تسلم منها السينما والثقافة في هذا الزمن الأغبر.
أما المؤسسات التي تسهر على القطاع، فإنها تحولت في ظل البيروقراطية إلى أداة للانتفاع، وتحولت فيها “التعليمات واللوائح” إلى مصالح ذاتية، وهو ما تَرَسَّخَ بشكل واضح في قطاع التلفزيون، وعرف زحفه الكاسر على السينما في زمن المهدي الغير المنتظر.
وإلى أن يأتي المهدي المنتظر، عيدكم مبارك وغير سعيد، فكيف تَحْلُو السعادة مهما حاولْتَ الحصول على خروف فوق طاقتك، وجارك بدون أضحية، كما يقول شيخ مسن أثناء حديثه لبائع الخضار، والذي زاد كلاما لا يمكن الخوض فيه على الهاتف، وأحرى أن يكون من قبيل التمثيل في قطاع السينما والتلفزيون، طبعا نتحدث هنا عن قطاع وجمعها إقطاعيات، منسوبة إلى الشَّنَاقَة بدون تحديد المجال، فلنكتفي بهذا الحد، فالكَازْ طْلَعْ… ومعه يرتفع ضغط الدم، والذي لم يعد مؤقتا، وبالتالي فالأمر خطير، ربما نجد في “ابتهال ميتافيزيقي”، للشيخ أنيس الرافعي ما يخفف عندنا الأدرينالين.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.