المخرج الناجح مثل المدرب الناجح: يعرف ما يريد.. يحسن توزيع الأدوار.. يستخرج أفضل ما لدى عناصره، يحول الجهد الفردي إلى إنجاز جماعي…
ثمة وهم راسخ في كثير من الخطابات التي تحيط بالسينما: وهم “الموهبة” بوصفها أصل كل شيء.. وكأن الفيلم الجيد يولد من حدسٍ غامض.. أو من عبقرية منفصلة عن العالم، أو من إلهامٍ يهبط فجأة على مخرج يجلس وحيدا أمام فكرته…
في هذا المعنى، يبدو المخرج السينمائي أقرب إلى مدرب كرة القدم أكثر مما نتصور.. ليس لأن كليهما يقود فريقا فحسب، بل لأن كليهما يشتغل داخل حقل تنافسي، متحول، لا يرحم حاملي الأفكار القديمة.. المدرب الذي لا يشاهد الفرق الأخرى.. ولا يقرأ تحولات اللعب.. ولا يفهم كيف تتبدل الخطط والإيقاعات.. لا يذهب إلى المباراة إلا بما يشبه العمى المطمس…
المخرج السينمائي ليس مجرد شخص يوجه زاوية الكاميرا.. بل هو العقل الذي يمنح الفيلم هويته ومعناه وإيقاعه. كذلك مدرب كرة القدم.. فهو ليس مجرد من يضع التشكيلة..بل هو من يصوغ أسلوب اللعب، ويحدد شخصية الفريق، ويضبط العلاقة بين الفرد والجماعة…
هشام الودغيري
للوهلة الأولى، قد يبدو أن عالم السينما يختلف جذريا عن عالم كرة القدم، إذ الأول ينتمي إلى الفن والصورة والخيال الإبداعي، بينما الثاني ينتمي إلى الرياضة والمنافسة والجهد البدني. غير أن التأمل العميق في أوجه المقارنة بينهما يكشف عن تشابه كبير بين المخرج السينمائي ومدرب كرة القدم، ليس فقط في طبيعة القيادة الأوركسترالية، بل أيضا في طريقة بناء المشروع/العمل/الأداء، وإدارة العناصر والبلاطو، وقراءة تجارب الآخرين بالمشاهدة العينية من أجل الوصول إلى منتج/عرض ناجح، سواء كان فيلما جيدا صناعيا وجماهيريا، أو فريقا قويا قادرا على الانتصار وإقناع الجمهور.
في هذا المعنى، يبدو المخرج السينمائي أقرب إلى مدرب كرة القدم أكثر مما نتصور. ليس لأن كليهما يقود فريقا فحسب، بل لأن كليهما يشتغل داخل حقل تنافسي، متحول، لا يرحم حاملي الأفكار القديمة. المدرب الذي لا يشاهد الفرق الأخرى، ولا يقرأ تحولات اللعب، ولا يفهم كيف تتبدل الخطط والإيقاعات، لا يذهب إلى المباراة إلا بما يشبه العمى المطمس. كذلك المخرج الذي لا يشاهد أفلام الآخرين مشاهدة متأملة، دارسة، ناقدة، لا يدخل مشروعه إلا محمولا على حدس غير مختبر، وعلى خيال يكرر ما سبق أن استهلك من دون أن يدري (كثيرة هي النماذج بالمغرب والتي أتحاشى تسميتها هنا).
المخرج السينمائي ومدرب كرة القدم.. كلاهما قائد لرؤية جماعية
المخرج السينمائي ليس مجرد شخص يوجه زاوية الكاميرا، بل هو العقل الذي يمنح الفيلم هويته ومعناه وإيقاعه. كذلك مدرب كرة القدم، فهو ليس مجرد من يضع التشكيلة، بل هو من يصوغ أسلوب اللعب، ويحدد شخصية الفريق، ويضبط العلاقة بين الفرد والجماعة.
في الجانب الفيلمي، يوجد ممثلون، ومدير تصوير، وموضب، وسيناريست، ومهندس صوت، ومصمم ديكور… كل واحد منهم يؤدي دورا محددا داخل منظومة واحدة. في المقابل بكرة القدم، يوجد حارس ومدافعون ولاعبو وسط ومهاجمون، وجمهور حي… لكل واحد مهمته، لكن النجاح لا يتحقق إلا عندما تنسجم كل الأدوار داخل رؤية المخرج/المدرب.
بالتالي، فالمخرج الناجح مثل المدرب الناجح: يعرف ما يريد، يحسن توزيع الأدوار، يستخرج أفضل ما لدى عناصره، يحول الجهد الفردي إلى إنجاز جماعي…
ضرورة وليست رفاهية، كلاهما ملزمان مهنيا بقراءة أعمال/أداء المنافسين الآخرين
مما لا جدال فيه أنه لا يستطيع مدرب كرة قدم محترف ما أن يخوض مباراة كبيرة دون دراسة دقيقة للفرق الأخرى: مسارها التاريخي، نقاط قوتها، ثغراتها، طرق الضغط عليها، أثر التحولات الهجومية على لاعبيها… وكيفية استثمار كل ذلك في إعداد الفريق وخطته الميدانية؛ وتزداد هذه الأهمية في الإقصائيات الدولية ككأس العالم، حيث يصبح الاطلاع على أساليب المدارس الكروية المختلفة شرطا أساسيا لغور النجاح.
الأمر نفسه ينطبق على المخرج السينمائي. فالمخرج الذي لا يشاهد أعمال الآخرين هو ككفيف في صحراء، والذي يشاهد أفلام الآخرين مشاهدة سطحية لن يتطور أبدا، أما الذي يمارس المشاهدة المتأملة والدارسة، فإنه يكتسب خبرة مركبة تتجاوز الإعجاب إلى الفهم والتحليل، فهو لا يشاهد الفيلم فقط ليستمتع به، بل ليفكك عناصره: كيف بني السيناريو؟ كيف أدير الإيقاع؟ كيف استخدمت الكاميرا؟ ما الذي جعل الجمهور يتفاعل؟ أين يكمن التوازن بين البعد الفني والبعد التجاري؟ …
إن مشاهدة أفلام الآخرين بالنسبة للمخرج تشبه مشاهدة تسجيلات المباريات بالنسبة للمدرب؛ فكلتاهما وسيلة لتعلم غير مباشر، واختبار للأفكار، وتوسيع للأفق، واكتساب لمرونة أكبر في صناعة القرار.
المهرجانات الدولية وكأس العالم فضاءان لاستخلاص الدروس
تمثل البطولات الكبرى، وخاصة كأس العالم وتصفياته، مختبرا مفتوحا لتبادل الخبرات الكروية بين المدارس المختلفة، وتمثل المهرجانات السينمائية الدولية فضاء مشابها لاكتشاف تجارب جديدة في السرد، والإخراج، والتصوير، والإنتاج، والتسويق…
كما في البطولات العالمية، يلاحظ المدرب كيف تشتغل الفرق اللاتينية على المهارة، وكيف تعتمد بعض الفرق الأوروبية على التنظيم والانضباط، وكيف تراهن فرق أخرى على السرعة أو الكرات الثابتة أو الضغط العالي. من خلال المشاهدة المتأملة، لا ينسخ/يقتبس المدرب غيره نسخا/اقتباسا أعمى، بل يستخلص ما يناسب لاعبيه وبيئته وإمكاناته.
أما المهرجانات، فيهي في أفضل أحوالها، ليست مواسم استعراض نخبوي، بل ساحات اختبار حقيقية ومحطة تساؤلات صناعية أساسا: ما الذي يبقى من الفيلم بعد الضجيج؟ ما الذي يجعل عملا ما قادرا على العبور من حيز التقدير النقدي إلى حيز الأثر الجماهيري؟ وما الذي يجعل فيلما آخر، على الرغم من كماله التقني، يبدو باردا، منزوع الحياة، كأنه صنع كي يعرض في فترينة لا كي يعاش جماهيريا؟
ليست القضية إذن في أن يشاهد المخرج، بل في كيف يشاهد. فثمة فرق شاسع بين من يتابع الأفلام ليؤكد ما يعرفه سلفا، ومن يشاهد لكي يهتز يقينه. وثمة فرق أكبر بين من يستعير من الآخرين أشكالهم الخارجية، ومن يقرأ في تجاربهم شروط النجاح وأسباب الإخفاق.
وقد يقول قائل: إن التقليد في السينما كما في كرة القدم، ليس دليل تعلم بل علامة فقر. المدرب الذي ينسخ طريقة لعب فريق كبير من دون امتلاك عناصرها ينتهي إلى كاريكاتير تكتيكي، والمخرج الذي يقلد فيلما ناجحا من دون أن يفهم منطقه الداخلي ينتج نسخة متعبة من أثرٍ ميت.
والمخرج بدوره حين يتابع بعين حذقة (بالدال المعجم) أفلاما في مهرجانات دولية، يكتشف تنوعا كبيرا في المقاربات: من مدارس تعتمد الاقتصاد البصري، وأخرى تراهن على قوة الأداء التمثيلي، وأفلام تبهر بصناعتها التقنية، وأخرى تنجح بفضل بساطة الفكرة وصدق المعالجة (كامل السر في الصدق) … من هنا يتعلم المخرج أن النجاح لا يأتي من تقليد تجربة بعينها، بل من فهم منطق/بنية نجاحها، ثم إعادة صياغة هذا الفهم بما يخدم مشروعه الخاص.
الاستلهام لا يعني التقليد
من أكبر الأخطاء أن يعتقد المخرج أو المدرب أن دراسة تجارب الآخرين تعني نسخها كما هي، فالمدرب الذي يقلد خطة فريق عالمي دون مراعاة نوعية لاعبيه قد يفشل، والمخرج الذي يستنسخ فيلما ناجحا دون فهم شروط مشروعه ثم نجاحه قد يقدم عملا باهتا ومفتعلا.
بالتالي يمكن الجزم بأن المشاهدة المتأملة الحقيقية لا تنتج مقلدين، بل تصنع أصحاب رؤية خبيرة، فهي تعلم المخرج كيف يميز بين: ما هو أسلوب خاص بمخرج آخر، وما هو مبدأ عام يمكن الاستفادة منه؛ فقد يتعلم مخرج ما من فيلم معين أهمية الإيقاع السريع، ومن آخر كيفية بناء الشخصيات، ومن ثالث طريقة إدارة الصمت أو اللون أو التوتر الدرامي… ثم يعيد تركيب هذه المعارف داخل مشروع جديد يحمل بصمته هو.
هذا يشبه تماما ما يفعله المدرب الذكي الحذق حين يتعلم من فرق كبرى أساليب الضغط أو التحول أو التمركز، لكنه يكيفها وفق خصوصية فريقه، بدل أن ينقلها حرفيا.
النجاح السينمائي صناعيا والرياضي جماهيريا يحتاج توازنا توافقيا دقيقا
الفيلم الجيد صناعيا وجماهيريا ليس مجرد فيلم مصنوع بإتقان حرفي، ولا مجرد فيلم يحقق إقبالا جماهيريا عابرا، بل هو عمل يحقق معادلة صعبة: الجودة الفنية مع القدرة على الوصول إلى الناس. وهذه المعادلة تشبه في كرة القدم الفريق الذي لا يكتفي بالنتيجة، بل ذاك الذي يقدم أيضا أداء مقنعا ومنظما يرضي الجمهور ويثبت قوته.
من خلال دراسة أفلام الآخرين، يستطيع المخرج أن يكتشف كيف نجحت بعض الأعمال في الجمع بين: التشويق والعمق، البساطة والذكاء، الجمالية البصرية والوضوح السردي، الطموح الفني والجاذبية الجماهيرية…
كما يراقب المدرب الفرق الكبرى ليفهم كيف تكسب وتحافظ على شخصية لعبها، يراقب المخرج الأفلام الناجحة ليفهم كيف يبنى فيلم قادر على المنافسة في السوق وعلى ترك أثر فني/نقدي في الوقت نفسه.
القاعدة: التجربة الواعية تختصر الطريق
لا أحد يبدأ من الصفر تماما، فكل مخرج يدخل إلى مشروعه الجديد وهو محاط بتاريخ طويل من الأفلام والتجارب والنجاحات والإخفاقات. وكل مدرب يقود فريقه وهو يستند، بوعي أو عن لا وعي، إلى تراكم هائل من المباريات والخطط والمدارس.
لذلك فإن المشاهدة المتأملة والدراسة ليستا عملا ثانويا، بل هما جزء من التكوين الحقيقي. فهما تختصران الطريق، وتجنبان الوقوع في أخطاء سبق أن وقع فيها الآخرون، وتمنحان صاحب التجربة قدرة أكبر على التوقع والتخطيط واتخاذ القرار.
المخرج الذي يدْرس أفلام غيره بعين ناقدة ومتعلمة يطور حسه الجمالي والصناعي: يعرف ما يجذب الجمهور، يدرك مواطن الملل، يحسن توظيف الممثلين، يختار الإيقاع المناسب، يوازن بين الرؤية الفنية ومتطلبات السوق…
الحق أن هذه المعادلة لا تحل بالشعارات، فلا يكفي أن يعلن المخرج رغبته في مخاطبة الجمهور، كما لا يكفي أن يتقن أدواته المهنية. ما ينقص كثيرا من التجارب المغربية والعربية هو ذاك الحس التحليلي المتولد من المشاهدة الدارسة: أن يعرف لماذا نجح فيلم معين، ولماذا فشل آخر، ولماذا استطاع بعض المخرجين أن يخلقوا توازنا نادرا بين الكفاءة الصناعية والنبض الإنساني… فالفيلم لا يقاس فقط بحسن تنفيذه، بل بقدرته على أن يخلق علاقة، أن يترك أثرا، أن يجعل المتفرج يشعر أن ما يراه ليس مجرد صناعة متقنة، بل تجربة تستحق أن تعاش.
خلاصة: من لا يملك عينا تتعلم.. لن يملك يدا تخلق
ثمة وهم راسخ في كثير من الخطابات التي تحيط بالسينما: وهم “الموهبة” بوصفها أصل كل شيء، وكأن الفيلم الجيد يولد من حدسٍ غامض، أو من عبقرية منفصلة عن العالم، أو من إلهامٍ يهبط فجأة على مخرج يجلس وحيدا أمام فكرته (أعرف بعضهن (م)). غير أن الحقيقة أقل رومانسية، وأكثر قسوة أيضا، فلا مخرج حقيقيا يتكون خارج المشاهدة، ولا فيلما قادرا على الجمع بين الصنعة والتأثير يمكن أن يخرج من فراغ بصري وغياب حراك ثقافي (المخيال الجمعي).
هنا تحديدا ينبغي تحرير المشاهدة (عند كافة المعنيين بالمنظومة السينمائية) من معناها الاستهلاكي السائد؛ فليست مشاهدة الأفلام تكديسا للعناوين، ولا استعراضا للذائقة، ولا سباقا إلى إبداء الإعجاب أو الرفض. المشاهدة، بالنسبة إلى المخرج وكل مهني في المنظومة، هي جزء من التكوين المهني، بل هي مختبره الأول والأخير. عبرها يتعلم كيف يبنى الإيقاع، وكيف تدار لحظة الصمت، وكيف تصاغ الشخصية، وكيف تعمل الكاميرا لا بوصفها أداة تسجيل بل بوصفها أداة تفكير، وعبرها أيضا يكتشف الفارق بين فيلم يريد أن يقول شيئا، وفيلم يكتفي بأن يعرض نفسه بوصفه “منتجا بصريا” صالحا للاستهلاك السريع والهلاك المؤكد (تفاهة الكلينيكس).
بالتالي وبالتأكيد، إن العلاقة بين المخرج السينمائي ومدرب كرة القدم هي علاقة تشابه عميقة في جوهرها؛ فكلاهما قائد، ومخطط، ومحلل، وصاحب رؤية، وكلاهما يعمل داخل فريق، ويسعى إلى تحويل مجموعة من العناصر المتفرقة إلى عمل متكامل يحقق النجاح والتأثير.
ومن خلال المشاهدة المتأملة والدراسة الواعية لأفلام الآخرين، تماما كما يفعل المدرب عند دراسته للفرق المنافسة، خاصة في المحافل الكبرى مثل المهرجانات الدولية وإقصائيات كأس العالم، يستطيع المخرج أن يستخلص الدروس، وأن يميز بين ما هو عابر وما هو جوهري، وأن يبني تجربته على أساس من الفهم لا الانبهار، ومن الاستلهام لا التقليد.
لذلك، فإن الشبه بين المخرج ومدرب كرة القدم ليس مجرد استعارة مناسبة للكتابة، بل وصف دقيق لطبيعة الممارسة نفسها. كلاهما يعيش تحت ضغط النتيجة، وتحت امتحان الجمهور، وداخل تاريخ/مسار من التجارب السابقة التي لا يمكن تجاهلها؛ وكلاهما، إن أرادا أن ينجحا، عليهما أن يراقبا، وأن يدرسا، وأن يفهما أن التفوق لا ينتج من القطيعة مع الآخرين، بل من الحوار المجادل معهم: حوار التعلم، والاختلاف، والتجاوز.
وهكذا يصبح إنتاج فيلم جيد صناعيا وجماهيريا نتيجة طبيعية لمسار من التأمل، والتحليل، والانفتاح على تجارب الآخرين، مع وجوب الاحتفاظ دائما بالصوت الخاص والرؤية الأصيلة المنفردة (“التامغرابيت” في الحالة الوطنية).
بالنهاية، لا يخسر المخرج حين يفشل فيلمه فقط، بل يخسر قبل ذلك حين يتوهم أنه يستطيع أن يصنع فيلما جيدا من دون أن يمر طويلا ومتأنيا عبر مسار مشاهدة أفلام الآخرين. كما في المقابل، يخسر المدرب حين يدخل المباراة من دون أن يقرأ خصومه.
في الحالتين، ليست المشكلة نقص الموهبة، بل قصر النظر حتى العمى؛ ومن لا يملك عينا تتعلم، لن يملك يدا تخلق.
*حديث الإثنين
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.