المغرب في مهرجان كان السينمائي..من التمثيل الهاوي إلى الفعل الاستراتيجي!!

استشارة خبرة (مجانبة) لبرنامج عمل بعثة حكومية إلى مهرجان سينمائي دولي…

لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان ينبغي للدولة أن تشارك في التظاهرات الدولية الكبرى بل كيف تشارك؟ وبأي أهداف” وبأي أدوات” وبأي نتائج منتظرة؟…

الفارق كبير بين حضور شكلي/شخصي يستهلك الموارد دون أثر واضح وبين مشاركة مؤطرة برؤية استراتيجية تجعل من البعثة أداة لخدمة السياسة الثقافية…

هشام الودغيري*

من غير المقبول اليوم أن تختزل مشاركة بعثة حكومية ومهنية في مهرجان سينمائي دولي في مجرد حضور بروتوكولي أو تمثيل رمزي هاوٍ ضعيف لا يترجم إلى أثر مؤسسي وثقافي واقتصادي ومهني ملموس. فالمهرجانات الكبرى لم تعد فقط فضاءات للاحتفاء بالأفلام والنجوم، بل تحولت إلى منصات استراتيجية تتقاطع فيها الدبلوماسية الثقافية مع اقتصاد الصورة، وتعقد فيها الشراكات، وتصاغ فيها فرص التمويل والإنتاج المشترك، وتبنى من خلالها صورة الدول في السوق الدولية.

من هذا المنطلق، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان ينبغي للدولة أن تشارك في هذه التظاهرات، بل كيف تشارك، وبأي أهداف، وبأي أدوات، وبأي نتائج منتظرة. فالفارق كبير بين حضور شكلي/شخصي يستهلك الموارد دون أثر واضح (ميزانية بعثة المركز السينمائي حدد لها غلاف مالي قدره 400 مليون سنتيم، وهو رقم كبير مقابل انعدام مردودية، وقليل أمام التحديات المهنية المطلوبة)، وبين مشاركة مؤطرة برؤية استراتيجية تجعل من البعثة الحكومية أداة لخدمة السياسة الثقافية، وتعزيز الجاذبية الاستثمارية، ومواكبة المهنيين الوطنيين، وتثبيت موقع الدولة داخل الشبكات السينمائية الدولية.

إن أول ما ينبغي أن تدركه المؤسسات المعنية (حكومة، ووزارة ومركزا) هو أن المهرجان السينمائي الدولي لم يعد مجرد شاشة للعروض، بل هو، أيضا، سوق مهنية متشعبة ومتكاملة، ومختبرا للتفاوض الإنتاجي التشاركي دوليا، وفضاء لعقد اللقاءات الثنائية b2b، وبيئة حيوية ومتطورة لاكتشاف المواهب الصاعدة والمغمورة، وربط المشاريع بمصادر التطوير والتمويل والتوزيع دوليا. لذلك فإن أي برنامج عمل جاد لبعثة حكومية يجب أن يتجاوز منطق المعرض FOIRE الكلاسيكي العام إلى خطة استراتيجية تنفيذية واضحة تهيأ بشراكة مع المهنيين المحليين أولا وفي متسع زمني استباقي، مع بسط دفتر تحملات يميز بين الأهداف السياسية والاقتصادية والمهنية والثقافية، حكومة ومهنيين وإعلاميين، مع ربط الحضور الرسمي بمؤشرات قابلة للتقييم.

فالهدف الأول لأي بعثة حكومية ينبغي أن يكون تثبيت الحضور الرسمي للدولة بوصفها شريكا موثوقا، منفتحا، ومنظما. وهذا البعد لا يقتصر على المشاركة في الفقرات المتعددة والفعاليات الرسمية، بل يشمل أيضا عقد لقاءات مع المؤسسات النظيرة، وفتح قنوات للتعاون، واستثمار المناسبة لترسيخ موقع الدولة داخل شبكات السياسات السينمائية والثقافية الدولية.

منطق المشاركة: لماذا وكيف وبأي نتائج؟

أين هو الحضور المغربي بمهرجان كان السينمائي 2026، بفقرات “سوق الفيلم” مثلا: “Cannes Docs بضم مهنيي الوثائقي، Cannes Next منصة تركز على الابتكار، وهي مخصصة للأعمال والتواصل واستكشاف مستقبل الترفيه، Immersive Market تهم تعزيز فرص التعاون والنشر للمهنيين في صناعة الواقع الافتراضي، Festivals Hub يهدف إلى الجمع بين ودعم المتخصصين في الصناعة الذين يلعبون دورا نشطا في المهرجانات والأسواق السينمائية، Cinemas Club تهدف دعم وتعزيز قطاع عرض الأفلام من خلال الجمع بين مشغلي دور السينما والموزعين والجهات الفاعلة الرئيسية في الصناعة من جميع أنحاء العالم، Co-Production Days منصة للمنتجين المشاركين والممولين لاستكشاف فرص التعاون، Investors Circle حدث واسع النطاق يجمع أبرز خبراء العالم في تمويل الأفلام والإعلام، Goes to Cannes معرض فريد من نوعه يجمع بين مهرجانات الأفلام والأسواق من جميع أنحاء العالم، Docs-in-Progress يعرض هذا البرنامج مجموعة مختارة بعناية من الأفلام الوثائقية الإبداعية العالمية في مرحلة التوضيب الأولية، Shoot The Book! مبادرة تهدف إلى تحويل أفضل الأعمال الأدبية إلى أفلام، impACT Lab يهم المنتجين الشباب، SFC | RDV Industry خاص لمهنيي الشريط القصير..

أما الهدف الثاني، فيتعلق بالترويج للدولة كوجهة للتصوير والإنتاج. وهنا لا يكفي الخطاب العام والكتالوغ اليتيم، بل يجب تقديم عرض متكامل وتنافسي يبرز الحوافز المالية والضريبية مقارنة مع الجارة إسبانيا القريبة أو الشقيقة السعودية (مثلا، هيئة الأفلام السعودية ترفع حوافز الإنتاج السينمائي إلى 60% لجذب الإنتاجات العالمية)، ومواقع التصوير الجديدة وغير المعروفة (مناجم الحديد بالناظور، مثلا)، والخدمات الإنتاجية المتطورة، والبنية التحتية التقنية، والموارد البشرية المؤهَّلة. فالصناعة السينمائية اليوم قطاع اقتصادي متشعب، والدول التي تنجح في استقطاب الإنتاجات الأجنبية لا تفعل ذلك بالصدفة، بل عبر خطاب مهني واضح، وأدوات ترويجية فعالة، ووجود منظّم ومدروس داخل الأسواق المتخصصة.

الرهان الثالث: يتمثل في تمكين المهنيين الوطنيين من فرص النفاذ إلى الفضاء المهني الدولي. فالمخرجون والمنتجون وأصحاب المشاريع المغربية لا يحتاجون فقط إلى واجهة عرض، بل إلى مواكبة فعلية تتيح لهم الوصول إلى المنتجين والممولين والموزعين والمنصات ومختبرات التطوير. وهنا تظهر أهمية تنظيم لقاءات مهنية مبرمجة مسبقا، وتقديم دعم لوجستي ومؤسساتي للمشاريع الوطنية، خاصة في مجالي الأفلام الروائية والوثائقية، حتى تتمكن من الانتقال من طور الفكرة إلى طور الإنجاز والتداول الدولي (الاقتصار على تكرار نفس أسماء نادي الأصدقاء التي لا تفيد إلا أجندات الأجانب ولا طائل منها لتطوير سينمانا الوطنية، وكثير منهم يتواجد من أجل الصور السياحية).

ولا يقل عن ذلك أهمية الانخراط التمويلي في المبادرات التي تخصصها المهرجانات الكبرى لاكتشاف المواهب، واحتضان المشاريع، ودعم الإنتاج المشترك. فهذه المساحات أصبحت جزءا أساسيا من دينامية الصناعة السينمائية العالمية، ومن دون تموقع ذكي داخلها (لا يجب الاقتصار فقط على وضع الطالب بل يجب الانتقال لكرسي الشريك الإنتاجي)، تفقد البعثات الرسمية أحد أهم أسباب حضورها. إن دعم المواهب الصاعدة (محليا وعربيا)، وربط المشاريع الوطنية ببرامج التطوير والتمويل مع الشركاء الدوليين، لم يعد خيارا ثانويا، بل صار عنصرا حاسما في أي استراتيجية ثقافية حديثة (لا وجود لفاعل مغربي أو حتى متعاطف مع سينمانا بأهم فقرات “سوق كان”).

ثم هناك البعد الرمزي والثقافي، ولا يجوز اختزاله في وظيفة تجميلية أو احتفالية. فالدولة، حين تحضر في مهرجان سينمائي دولي، لا تقدم فقط مؤهلاتها الإنتاجية، بل تقدم أيضا نفسها بوصفها فضاء ثقافيا ومهنيا بكفاءاته البشرية؛ لها هويتها البصرية، وذاكرة سينيفيلية، وسردية روائية تساهم في الإبداع الكوني بتنوع خلاق وقدرة على الإسهام في الحوار الثقافي بين جوقة السينمائيين عالميا. ومن هنا تبرز السينما باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة الأكثر تأثيرا، لا سيما في عالم باتت فيه الصورة عنصرا مركزيا في تشكيل الانطباعات وصناعة المكانة في المحافل الدولية (أين هن جميلات الشاشة المغربية؟).

ربط الحضور الرسمي بمؤشرات التقييم والمحاسبة.

إن ما تحتاجه البعثات الحكومية إلى المهرجانات السينمائية الدولية هو الانتقال من منطق الحضور الجسدي إلى منطق الإنجاز المهني والدبلوماسي، ومن رمزية التمثيلية الصورية إلى فعالية التخطيط الاستراتيجي. فنجاح هذه البعثات لا ينبغي أن يقاس بعدد الدعوات ولا بصور المشاركة السياحية (ضعف هيكلي في التواصل الإعلامي وعبر منصات التواصل الاجتماعي)، بل بما تحققه من نتائج ملموسة: اتفاقيات تعاون ملموسة بأرقام، شراكات إنتاج مبسوطة في عقود موثَّقة، فرص تمويل من صناديق حكومية ومؤسساتية ذات مصداقية، استقطاب مشاريع أجنبية بشروط قاعدة رابح/رابح وليس بعقلية السمسرة (كراء الطبيعة وخدمات مبالغ في عمولتها)، تطوير مشاريع وطنية بأفق شراكات تبادل دولية، وتثبيت متراكم لصورة “المملكة المغربية” في المشهد السينمائي الدولي بنظرة جوانية وطنية تكسر الرؤية الكولونيالية المتفشية في جل أعمالنا ذات الإنتاج المشترك دوليا.

في النهاية، لم تعد المهرجانات السينمائية ترفا ثقافيا يمكن التعامل معه بمنطق المناسبات. إنها اليوم فضاءات استراتيجية تتطلب تحضيرا استباقيا دقيقا، ورؤية مهنية واضحة، وقدرة خبيرة على الربط بين الفعل الثقافي والاقتصادي والدبلوماسية السينمائية. وعندما تبنى البعثة الحكومية على هذا الأساس، فإنها تصبح أكثر من مجرد مشاركة رسمية؛ تصبح أداة دولة، ورافعة تأثير، واستثمارا في الحضور الثقافي والمهني والاقتصادي للمملكة المغربية على الساحة الدولية.

للمعلومة:

  • مشروع “Laissées-pour-compte” الحاصل على دعم لجنة المركز (دعم كتابة السيناريو بمبلغ 80 ألف درهم بالدورة 3 سنة 2025) هو مقدم بمهرجان كان من طرف La Fabrique Cinéma est un programme de l’Institut français بميزانية تقديرية تبلغ 165.700أورو.
  • فقرة MEET THE EXPERTS بسوق كان بخانة الشريط القصير ممثلة من طرف شركة Haut les Mains Productions وهي شركة فرنسية، دون ذكر عنوان المشروع بورشة تحت عنوان “أولى مشاريع الأفلام – FIRST FEATURE FILM PROJECTS”.
  • مشروع شريط “ولاد الغولة” – Wolfmother الحاصل على دعم لجنة المركز (تسبيق على المداخيل بمبلغ 320 مليون سنتيم بالدورة 3 سنة 2024) مقدم في إطار “دائرة المستثمرين”- Cannes Investors Circle بمهرجان كان، سبق له أن قدم بورشات الأطلس بمهرجان مراكش (فقرة مشاريع في التطوير) سنة 2023، إنتاج فرنسي (BAC Films Production) بشراكة إنتاجية مغربية (Kasbah Films) وإسبانية وبلجيكية بميزانية مرتقبة في 3.079.880 أورو.
  • الكتالوغ اليتيم الذي قدمه المركز بمهرجان كان 2026 هو نسخة طبق الأصل غرافيكيا لكتالوغ مهرجان برلين 2026.
  • تكلفة عرض فيلم بـ”مهرجان كان” من أجل حظ التواجد به تكلّف الموزع كراء فضاء، مصاريف سفر ونقل وفندقة المخرج وأبطال الفيلم، قد تصل بسهولة إلى 10 آلاف أورو (في حالة الاختيار الرسمي فالمهرجان يتكفل بنصيب في التكلفة)، إضافة لتكاليف اللباس والماكياج والحلاقة (HMC) والملحق الصحفي، ثم تأتي فقرة اللقاءات المهنية والمجاملات، غالبا ما تكون ليلا في جو أريحي بفندق 5 نجوم أو فيلا راقية، قد تصل فيها الفاتورة إلى ما فوق 10 آلاف أورو (بعض الإنتاجات الكبرى تتعدى ما فوق 150 ألف أورو في ليلة واحدة، فثمن براد شاي مغربي مع كعب غزال ليس هو ثمن قنينة شمبانيا Veuve Clicquot وكافيار)، الهدف هو تحويل عرض فيلم ما إلى حدث إعلامي عند الصحافة والمؤثرين والمشترين الدوليين قبل خروجه للعرض العمومي (مثلا، تكلفة كراء فضاء على الشاطئ ليلا هي في متوسط 30 ألف أورو لـ30 فردا، كلفة مواكبة الصحافة المختصة في متوسط 8 آلاف أورو ليوم واحد).

وفي حديث آخر:

نقدم استشارة خبرة (مجانبة) لبرنامج عمل بعثة حكومية إلى مهرجان سينمائي دولي.

لكي تتحول السفريات الرسمية المعتادة في قبيل المهرجانات والمعارض الدولية إلى برنامج عمل احترافي يصلح للاعتماد الحكومي أو التفاوض مع الشركاء بخصوصه، فهو يحتاج إلى:

أولا: تحويله من نوايا عامة إلى خطة تنفيذية لأهداف قابلة للقياس، يفرق فيه بين: الأهداف السياسية، الأهداف الاقتصادية، الأهداف المهنية والأهداف الثقافية والصوَرية.

إدماج خصوصية سوق المهرجان، وليس فقط المهرجان بوصفه منصة عروض بتخصيص مسار واضح لدعم مشاريع الأفلام الروائية والوثائقية وطنيا، ربط البرنامج بمبادرات المهرجان الموجهة إلى اكتشاف المواهب، التطوير، التمويل، والإنتاج المشترك.

ثانيا: الرؤية الاستراتيجية العليا المقترحة للبعثة:

ينبغي أن يصاغ برنامج البعثة باعتباره أداة لتحقيق 5 نتائج كبرى:

أ. تثبيت الحضور الرسمي للدولة، بما يكرس صورتها كشريك سينمائي موثوق، منفتح ومنظم.

ب. جذب الاستثمارات والإنتاجات الأجنبية، عبر الترويج للحوافز، المواقع، الكفاءات والخدمات التقنية.

ج. تمكين المهنيين الوطنيين من الوصول إلى المنتجين، الممولين، الموزعين، المنصات، المختبرات، وبرامج التطوير.

د. مرافقة مهنية للمشاريع الوطنية، خصوصا مشاريع الأفلام الروائية والوثائقية في مراحل: التطوير، البحث عن شركاء، التمويل، ما بعد الإنتاج والتوزيع الدولي.

هـ. تعزيز القوة الناعمة الثقافية للدولة، من خلال إبراز الهوية السينمائية الوطنية، الذاكرة البصرية والمواهب الصاعدة.

ثالثا: الصياغة المهنية المقترحة لبرنامج عمل البعثة.

تندرج مشاركة البعثة الحكومية في المهرجان السينمائي الدولي وسوقه المهني ضمن رؤية تروم تعزيز الحضور المؤسسي للدولة، وتوسيع شراكاتها الدولية في المجال السينمائي، والترويج لمؤهلاتها كوجهة للتصوير والإنتاج، ومواكبة مهنييها ومشاريعها الإبداعية وتثمين إشعاعها الثقافي.

ويرتكز البرنامج على خمسة محاور مترابطة:

المحور الأول: التمثيل المؤسسي والدبلوماسي.

  • تمثيل الدولة في المراسم والفعاليات الرسمية للمهرجان، عقد لقاءات ثنائية مع المؤسسات النظيرة، بحث وتطوير اتفاقيات الإنتاج المشترك والتعاون السينمائي، ترسيخ موقع الدولة ضمن الشبكات الدولية للسياسات السينمائية والثقافية.

المحور الثاني: الترويج للدولة كوجهة تصوير وإنتاج بديل.

  • تنشيط جناح وطني داخل سوق الفيلم بكيفية مبتكرة تعتمد أساسا على التواصل الرقمي.
  • تقديم عرض متكامل حول: الحوافز المالية والضريبية تنافسيا، مواقع التصوير المستكشفة، خدمات الإنتاج البرغماتية، البنية التحتية التقنية المسايرة للتقنيات الحديثة، الموارد البشرية المؤهَّلة واستهداف المنتجين الدوليين وشركات الخدمات والإنتاج المشترك.

المحور الثالث: دعم المشاريع والمهنيين الوطنيين.

  • مواكبة المنتجين والمخرجين الوطنيين المشاركين في السوق، خاصة الصاعدين والشباب، تنظيم لقاءات مهنية مبرمجة ومهيئة مسبقا مع شركاء دوليين، تقديم الدعم اللوجستي والمؤسساتي للمشاريع الروائية والوثائقية ورصد فرص التمويل والتوزيع والتطوير المشترك محليا وقطريا فدوليا.

المحور الرابع: التموقع داخل برامج اكتشاف المواهب وصناعة المستقبل.

  • الاستفادة من مبادرات المهرجان ذات الصلة بتطوير المشاريع الوطنية، ربط المواهب الوطنية ببرامج الإقامة والورشات ومنصات الصناعة عربيا ودوليا، تشجيع إدماج المشاريع الوطنية في مسارات التطوير وما بعد الإنتاج وتعزيز حضور الجيل الجديد من السينمائيين ضمن منظومة “سينما الغد” بين جوقة الأمم. الإشارة إلى “سينما الغد” ليست مجرد وصف ثقافي، بل يجب تحويلها إلى رافعة عملي؛ أي أن المهرجان لا يقتصر على عرض الأفلام، بل يوفر منظومة متكاملة تشمل: اكتشاف المواهب، تطوير الكتابة، عرض المشاريع قيد التطوير، مواكبة ما بعد الإنتاج والربط مع الممولين والأسواق الدولية.

المحور الخامس: التواصل الثقافي والصورة الدولية.

  • تنظيم عروض خاصة أو لقاءات مهنية/ثقافية حول السينما الوطنية بمواكبة طاقم صحفي مختص ونقاد مبرزين، إبراز التراث السينمائي المغربي والاتجاهات الجديدة في الإبداع المحلي، تأطير مشاركة الوفد (الرسمي والمهني) ضمن سردية ثقافية موحَّدة تعكس هوية الدولة وتنوعها وتعزيز الحضور الإعلامي والرقمي للبعثة في خضم حراك فني/إبداعي دولي.

التوصية الخبيرة

يجب أن ينص “دفتر التحملات” صراحة على أن البعثة ستعمل على:

  • تحديد المشاريع الوطنية المؤهلة، خصوصا: أفلام روائية أولى أو ثانية، وثائقيات ذات إمكانات دولية ومشاريع في التطوير أو ما بعد الإنتاج.
  • توجيه هذه المشاريع نحو المنصات المناسبة، مثل: برامج الإقامة، منصات العرض المهني، مختبرات التطوير، لقاءات التمويل المشترك وفضاءات “رانديفو إندستري – Rendez-vous Industry” أو ما يعادلها داخل الأسواق.
  • تهيئة حاملي المشاريع قبل السفر، من خلال: تعيين مرافق/متتبع قطبي، تدريب على العرض الشفهي Pitch، مراجعة الملف الفني والمالي وفق معايير السوق، ترجمة المواد التقديمية وإعداد جدول اجتماعات مستهدف.
  • مرافقة ما بعد المهرجان، وهي نقطة يغفل عنها كثيرون: تتبع الاتصالات، تحويل الوعود إلى اجتماعات لاحقة، دعم التقديم لبرامج التمويل ومواصلة الوساطة المؤسساتية.
  • الهيكلة العملية للبعثة قبل وأثناء وبعد المهرجان:

أ. مرحلة ما قبل المشاركة:

هذه المرحلة حاسمة، وهي في الحقيقة تمثل 60% من نجاح البعثة، المطلوب فيها:

  1. تحديد أهداف المشاركة بدقة: هل الهدف سياسي؟ أم جذب تصوير أجنبي؟ أم دعم مشاريع وطنية؟ أم كل ذلك مع ترتيب الأولويات؟
  2. تصنيف أعضاء الوفد: وفد رسمي مؤسساتي، وفد مهني، وفد فني/إبداعي وفريق تواصل وإعلام.
  3. اختيار المشاريع الوطنية المراد مواكبتها: مشاريع روائية، مشاريع وثائقية، مشاريع في التطوير، مشاريع فيما بعد الإنتاج وأعمال تبحث عن مبيعات أو توزيع
  4. إعداد المواد الترويجية: دليل مواقع التصوير، كتيب الحوافز، نبذات عن الكفاءات والهيئات الوطنية، ملفات المشاريع، أجندة الجناح الوطني وملف صحفي رسمي.
  5. برمجة الاجتماعات سلفا: مؤسسات سينمائية، صناديق دعم، منتجون مستقلون، موزعون، وكلاء مبيعات، منصات بث ومنظمو برامج التطوير.

ب. أثناء المهرجان

ينبغي ألا تكون المشاركة بروتوكولية فقط، بل قائمة على أجندة نتائج.

الأولويات اليومية:

الحضور الرسمي، تنشيط الجناح الوطني، الاجتماعات الثنائية، مواكبة المهنيين الوطنيين، التغطية الإعلامية والتواصل الرقمي وتوثيق المخرجَات بشكل يومي.

ما يجب فعله عمليا:

  • إعداد جدول يومي موحد للوفد، تعيين مسؤول علاقات مؤسساتية، تعيين مسؤول سوق ومهنيين، تعيين مسؤول تواصل وإعلام وعقد اجتماع تقييم داخلي قصير كل مساء لتسجيل محاضر بعدد الاجتماعات، الجهات التي تم لقاؤها، فرص التعاون، المشاريع التي أبدى الشركاء اهتماما بها والمواعيد اللاحقة.

ج. ما بعد المهرجان

هذه المرحلة هي التي تحول المشاركة من حدث رمزي إلى أثر فعلي.

الإجراءات الأساسية: إعداد تقرير حصيلة رسمي تبعا لتخطيط “دفتر التحملات”، تصنيف نتائج الاجتماعات حسب الأولوية، متابعة رسائل الشكر والتواصل خلال 7 أيام، مواكبة المشاريع التي تلقت اهتماما وإطلاق مسارات التفاوض حول: الإنتاج المشترك، التصوير الأجنبي، الشراكات المهنية، برامج الإقامة والتطوير وتقييم العائد المؤسسي والاقتصادي والثقافي والدبلوماسي للمشاركة.

  • مؤشرات الأداء

أي برنامج حكومي جاد يجب أن يقترن بمؤشرات قياس، مثل: عدد الاجتماعات الثنائية الرسمية، عدد المنتجين الدوليين الذين زاروا الجناح، عدد المشاريع الوطنية المقدمة في السوق، عدد الاجتماعات المهنية المنجزة لكل مشروع، عدد فرص التمويل أو التطوير أو الشراكة، عدد طلبات التصوير أو الاستكشاف اللاحقة وحجم التغطية الإعلامية.

  • التمييز بين مسارين داخل البعثة

المسار الرسمي ويهم: المؤسسات، الاتفاقيات، العلاقات الثنائية والصورة الرسمية للدولة.

المسار المهني/السوقي ويهم: المشاريع، التمويل، الإنتاج المشترك، التوزيع، المواهب ورصد الاتجاهات (متابعة الابتكار وتحليل فرص التمويل الجديدة).

هذا التمييز مهم حتى لا يطغى البروتوكول على المصالح المهنية.

  • تخصيص الوثائقي والروائي بمقاربة مختلفة. (لأن آليات السوق ليست نفسها دائما)

في الروائي: الإنتاج المشترك، النجوم والمواهب، المبيعات الدولية ووكلاء المهرجانات.

في الوثائقي: المنصات، صناديق الدعم الثقافي، القنوات التلفزيونية، الأسواق المتخصصة والشراكات التحريرية.

  • بناء خطاب موحَّد للبعثة

يجب أن يحمل الوفد رسالة واضحة، مثل: “المملكة المغربية” ليست فقط فضاء تصوير، بل شريك إنتاجي وثقافي قادر على احتضان المشاريع، وتقديم حوافز، وتطوير المواهب، والانخراط في التعاون الدولي.

*خبير إعلامي فني وسينمائي

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

جوليان مور تتسلم جائزة Women in Motion بمهرجان كان

تقديرا لإسهاماتها في دعم حضور المرأة في السينما والمجتمع تتسلم النجمة الأمريكية جوليان مور جائزة …