هل المهرجانات السينمائية الجهوية مجرد مناسبات لتلاقي نادي أصدقاء المنظمين والمنتخبين المحليين؟ أم تظاهرات ثقافية نخبوية موجهة لفئة محدودة من المهتمين بالفن السابع؟
جل التظاهرات المنعوتة بـ”السينمائية” لم تعد تؤدي وظيفة الفرجة الجمالية، فمعظمها لا يحترم شروط العرض السينمائي في الأقل تقنيا…
هشام الودغيري
تشهد ربوع المملكة المغربية تناميا عَدَدِيا للمهرجانات السينمائية الجهوية (43 مهرجانا مسجلا بقائمة المركز السينمائي المغربي برسم 2026) تُختزل جلها في كونها مجرد مناسبات لتلاقي نادي أصدقاء المنظمين والمنتخبين المحليين، مع قلة قليلة يمكن نعتها بالثقافية النخبوية الموجهة لفئة محدودة من المهتمين بالفن السابع.
ظاهرة المهرجانات السينمائية الجهوية أضحت تؤكد، سنة بعد أخرى، أنها زاغت عن هدفها السامي في جعلها رافعة حقيقية للتنمية المحلية بمختلف أبعادها (تحريك الاقتصاد المحلي، تعزيز الجاذبية السياحية وترسيخ الهوية الثقافية، فضلاً عن احتضان المواهب الشابة وفتح آفاق جديدة أمام الطاقات المحلية).
جُلُّ هذه التظاهرات المنعوتة بـ”السينمائية” لم تعد تؤدي وظيفة الفرجة الجمالية، فمعظمها لا يحترم شروط العرض السينمائي في الأقل تقنيا بالاعتماد على أجهزة ضعيفة (DATA SHOW)، ولا يحترم موضع وهدف الإشعاع الثقافي والسينيفيلي المنشود. من هذا المنطلق، بات من الضروري إعادة النظر في “آلية” المهرجانات السينمائية الجهوية باعتبارها استثمارًا ثقافيًا وتنمويًا طويل الأمد، لا مجرد حدث عابر ينتهي بانتهاء عروضه.
في المقام الأول، يجب إحداث “دفتر تحملات” للمهرجانات بصفة عامة، في أفق أن تحظى بدعم وشراكة مع مؤسسات رسمية وخاصة، من قبيل المركز السينمائي المغربي، لما لها من أثر مزدوج: ثقافي من جهة، وتنموي من جهة أخرى، يكون ضابطا مرجعيا في تكريس ثقافة تنموية مستدامة أساسها:
- تثمين التنوع الثقافي والفني داخل المجال الجهوي والوطني،
- فتح المجال أمام الأفلام الوثائقية والروائية الواعدة شكلا ومضمونا، مع تغليب كفة الإنتاجات المحلية والأعمال المستقلة التي غالبًا ما تظل بعيدة عن القاعات التجارية وشبكات التوزيع التقليدية،
- خلق منصات بديلة تتيح للأصوات الجديدة أن تُسْمَع وتُرى، وللتجارب الفنية المختلفة أن تجد جمهورها،
- فسح مجال المسابقات للأفلام الأولى والثانية لاكتشاف جيل جديد من المخرجين والمبدعين، ومنحهم الاعتراف الأول الذي قد يشكل نقطة الانطلاق نحو مسارات مهنية أكثر إشراقًا،
- التركيز الجوهري على حضور الهوية المحلية في البعد الفني في برمجة هذه المهرجانات، إذ من المفروض في هذه التظاهرات السينمائية الجهوية أن تستمد فرادتها من ارتباطها بالمجال الذي تُنَظَّم فيه، استلهاما من التراث المحلي، والذاكرة الجماعية، والخصوصية المجالية كمكون للتجربة الثقافية المحلية نفسها،
- اقتران “التأشيرة الثقافية” (الواردة في القانون رقم 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية) للمهرجان والتظاهرات السينمائية بالالتزام بالقرار الوزاري رقم 2191.25 الصادر في 2 أبريل 2026 (تحديد المعايير التقنية ومعايير الأمن والسالمة التي يجب أن تستوفيها القاعة السينمائية، وكذا المعايير المتعلقة بجودة التجهيزات التقنية وعدد الشاشات المخصصة للعرض ووسائل الراحة والاستقبال التي يتم بناء عليها تصنيف القاعات السينمائية)…
وبمثيل هاذه المقاصد، ستتحول التظاهرات السينمائية إلى أداة لإعادة الاعتبار للمناطق المهمشة أو البعيدة عن المركز، وإلى وسيلة لتثبيت حضورها داخل الخريطة الثقافية الوطنية من حيث كون المهرجان هنا لا يعرض المكان فقط، بل يعيد إنتاج صورته الرمزية، ويمنح إمكانات جديدة للتعريف بفضائه الجغرافي بنفسه والانفتاح على الآخر في ظروف عرض مهنية محفزة لاستقطاب جمهور أكبر.
أما على الصعيد الاقتصادي:
- العمل على الإسهام الفعلي في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية باستقطاب الزوار والمهنيين والنقاد والمهتمين من داخل المغرب وخارجه، لينعكس الأمر مباشرة على قطاعات حيوية مثل الإيواء، والمطاعم، والنقل، والتجارة، والخدمات،
- التسطير على عامل جذب حقيقي لمناطق لا تحظ عادة بحضور قوي ضمن المسارات السياحية التقليدية، مما يمنحها فرصة ثمينة للتعريف بمؤهلاتها الطبيعية والثقافية،
- خلق فُرص شغل مباشرة وغير مباشرة لفائدة الشباب المحلي. فتنظيم مهرجان سينمائي يتطلب أُطرًا وتقنيين، ومنشطين، ومشرفين على التواصل، وعاملين في الخدمات اللوجستية، والإعلام، والاستقبال، والتنشيط الثقافي (في هذا الإطار عمل القرار الوزاري رقم 2194.25 الصادر في 2 أبريل 2026 على تحديد قائمة أصناف الأنشطة المهنية المرتبطة بالصناعة السينمائية التي من بينها “تنظيم المهرجانات السينمائية” التي خصها بالمهني المعني في “المدير الفني للمهرجان ومبرمج أفلام المهرجان”). ومن ثم، فإن المهرجان يصبح مناسبة لإدماج مهني لفئات واسعة في دورة إنتاجية مرتبطة بما يمكن تسميته بـ”الصناعة الثقافية”، كقطاع قادر على توليد قيمة مضافة وخلق دينامية اقتصادية…
إلى جانب أبعادها الفنية والاقتصادية، تبرز للمهرجانات السينمائية الجهوية وظائف اجتماعية وتربوية بالغة الأهمية:
- إتاحة فضاءات للحوار والتفاعل بين فئات متعددة: الجمهور العام، والمهنيون، والنقاد، وعشاق السينما، وهو ما يساهم في كسر العزلة الثقافية التي قد تعانيها بعض المناطق،
- بناء جسور التواصل بين المركز والهامش، وبين الثقافة المتخصصة والجمهور الواسع، بما يعزز الإحساس بالمشاركة والانتماء. فالمهرجان، بهذا المعنى، ليس مجرد قاعة عرض، بل فضاء عمومي لإنتاج النقاش وتبادل الرؤى والانفتاح على أسئلة المجتمع،
- ترسيخ ثقافة التربية على الصورة لدى الناشئة، بالاستفادة من الورشات التكوينية والأنشطة الموازية الموجهة للأطفال والشباب، كمدخل أساسي لتكوين جيل جديد لا يكتفي باستهلاك الصورة، بل يتعلم قراءتها وتحليلها وإنتاجها أيضًا. ففي عصر أصبحت فيه الصورة من أكثر وسائل التأثير حضورًا في الحياة اليومية، تغدو التربية البصرية ضرورة تربوية وثقافية، لا مجرد نشاط تكميلي…
وهنا تحديدًا تتجلى قيمة المهرجانات باعتبارها مؤسسات غير نظامية للتثقيف والتكوين المدني والجمالي. ثم إن السينما داخل هذه المهرجانات لا تنفصل عن قضايا المجتمع، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى أداة للتوعية والنقاش العمومي، فهي تمنح للفن وظيفة مدنية نبيلة، وتجعل من الشاشة البيضاء منبرًا لتأمل التحولات الاجتماعية والرهانات الإنسانية الراهنة. وبهذا تتجاوز المهرجانات دورها الترفيهي لتسهم في ترسيخ الوعي الجماعي، وتعزيز قيم الحوار والتسامح والانفتاح.
إن المهرجانات السينمائية الجهوية، في ضوء ما سبق، ليست مجرد لحظات احتفالية عابرة (بهرجة وأغاني وتكريمات، كما أصبحت عليه بعض التظاهرات التي لا ترق حتى لنعت “مهرجان” وبالأحرى حمل نعت “دولي”)، بل هي مشاريع تنموية متكاملة ذات أثر مستديم. فهي تسهم في الإشعاع الثقافي، واكتشاف الطاقات الإبداعية، وتنشيط السياحة، وتحريك الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص الشغل، فضلًا عن تقوية النسيج الاجتماعي وتوسيع دائرة الوعي الجمالي والمدني. لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في دعم هذه المهرجانات ماليًا أو لوجستيًا، بل في إدماجها ضمن سياسات جهوية مستدامة تنظر إلى الثقافة باعتبارها استثمارًا في الإنسان والمجال والمستقبل.
ومن ثم، فإن المهرجانات السينمائية الجهوية “الحقَّة” تستحق أن تُعامل باعتبارها أدوات استراتيجية للتنمية الترابية، لا مجرد مواسم احتفالية تنطفئ أضواؤها بانتهاء العروض. فالأثر الحقيقي لهذه التظاهرات لا يُقاس بعدد الأفلام المعروضة فقط، بل بقدرتها على ترك بصمة دائمة في الاقتصاد، وفي الوعي، وفي صورة الجهة ذاتها.
وفي حديث آخر:
عشت في الأسبوع الفارط تجربة مشاركة حضورية بمهرجان سينمائي جهوي “مهرجان الأطلس للفيلم الدولي”، المهرجان الذي سجل دورته الرابعة بأضعف مبلغ دعم من طرف لجنة دعم تنظيم المهرجانات السينمائية برسم دورة مارس 2026 في رقم 40.000 أربعين ألف درهم.
المهرجان الجهوي هذا، على ضعف إمكاناته المادية وضعف بنية الفضاء المخصص للعروض، استطاع التفوق على كثير من المهرجانات السينمائية الجهوية التي تتلقى دعما سخيا، حيث قدم عرضا فيلميا معتبرا في المسابقة الرسمية شملت 8 ثمانية أشرطة وثائقية قصيرة بمشاركة كل من المغرب، تونس، سلطنة عمان ومصر، و12 اثني عشر شريطا روائيا قصيرا بمشاركة كل من سلطنة عمان، المغرب، فرنسا، إسبانيا، سوريا، مصر والهند.
المهرجان الجهوي هذا يحمل هما سينيفيليا بامتياز، من حيث اشتغاله على القيمة الفنية المضافة بالانفتاح على تجارب سينمائية رهيفة الرؤية وواعدة التصور (الجائزة الكبرى للفيلم الوثائقي القصير “هو، هي والقطط” لحسن معناني من المغرب – 22د 22ث؛ والجائزة الكبرى للفيلم الوثائقي القصير “من سيلقي التراب يا أبي؟” للأخوين ملص من سوريا – 15د)، ولا يكتفي بحصة العروض بل يستثمرها في ورشات تكوينية وماستر كلاس، التي تُنظَّم لفائدة الشباب والمهتمين في خلق نقاش حقيقي حول الصناعة السينمائية بإشراك مهنيين ونقاد وأكاديميين، تبلورت التظاهرة في شكل ندوة فكرية راقية حول موضوع “توظيف الطقوس الروحية في السينما المغربية” أنتجت كتابا جماعيا ضم مداخلات الباحثين في هذه الندوة، وذلك في إطار تقليد المنظمين السنوي (جمعية مهرجان الأطلس للفيلم الدولي) الرامي لتوثيق النقاش العلمي وإغناء الحقل النقدي السينمائي في تقاطعه مع الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية (الشيء الغائب عن جل المهرجانات السينمائية الجهوية حتى المصنفة منها في الفئة ألف A).
لعمري، إن مثل هذه التظاهرات تعري واقع مناخنا الثقافي/السياسي عامة والسينمائي خاصة في الشق الجهوي، حيث تعرف مبادرات هادفة شُح الدعم العمومي وغياب البنية التحتية الكفيلة باحتضان جمهور الشباب التواق للعمل الثقافي الواعد والمدر للدخل في إطار أهداف “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”.
فكيف يُهمش الفعل/العمل الثقافي بالمدينة الأطلسية الصغيرة إيموزار كندر، وهي المنتجع السياحي بامتياز (يبعد مسافة 40 أربعين كيلومترا عن مدينة فاس)، الذي يعرف تواجد مركبات اصطياف جل مؤسسات الدولة وكبريات المكاتب العمومية والمؤسسات البنكية الخاصة؟
وكيف تتم المزايدات السياسوية من أجل الظفر بكراسي تدبير وتسيير الشأن الجماعي المحلي عبر “مجلس الجماعة”، ولا جمالية معمارية محلية تُكرَّس وتحتَرم، ولا وجود لمكتبة وسائطية تفتح عيون وعقول الشابات والشباب المتعطش للثقافة والعلم والمعرفة، ولا أثر لقاعة عروض المسرح والسينما؟
هذا مع تسجيل أسفي الشديد على تهميش تواجد معلمة تاريخية وروحية في شكل كنيسة المدينة (كنيسة “سيدة جميع الأفراح – Notre-Dame de Toutes-Joies، يعود بناؤها لأربعينيات القرن الماضي من طرف الأب الجليل كولبان Colpan كاهن رعية القديس ميشيل في المدينة القديمة بفاس بدرب الدوح)، التي حُوِّلت كعنوان فقط ل”المركب الثقافي” دون أي مواصفات مهنية تذكر، والتي لم يُستغل موقعها البانورامي العالي المطل على المدينة، ولا محيطها الغابوي الجميل والمليء بشجر الأرز، ولا تم الاعتناء بدرج ولوجها الصعب حتى على السليم، فما بالك بذوي الاحتياجات الخاصة (خرق سافر لقانون الولوجيات بالمغرب رقم 03.10 (المعدل بـ 97.13 لعام 2016) خاصة المادة 7: “تحاط البنايات المشمولة بهذا النص بتصاميم تسهل ولوج ذوي الإعاقة الحركية المحدودة على مستوى المسارات الخارجية، بموازاة ممرات الراجلين المؤدية إلى هذه البنايات”).
للمعلومة:
يوجد في المغرب أكثر من 40 مهرجانًا سينمائيًا جهويًا.
تسجل بعض المهرجانات ارتفاعًا في الإشغال الفندقي يتجاوز 30% خلال فترة انعقادها.
عدد من الأفلام التي تُعرض لأول مرة في هذه المهرجانات لا تصل إطلاقًا إلى القاعات التجارية أو المهرجانات الوطنية من صنف ألف A.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.