مهرجان خريبكة السينمائي وأسئلة الذات.. السينما الإفريقية بين الهوية والجمال والسياسة

عثمان سيمبين: إفريقيا ليست هامشا يدور في فلك الآخر، بل مركزا ممكنا للرؤية، ومصدرا لخطاب سينمائي قادر على أن ينظر إلى ذاته وإلى العالم بثقة وحرية وابتكار…

هشام الودغيري*

في واحد من أكثر التصريحات كثافة وجرأة في تاريخ الفكر السينمائي الإفريقي، قال الكاتب والمخرج السنغالي الكبير عثمان سيمبين Ousmane Sembène (1923-2027) “دعونا نوضح الأمر: أوروبا ليست مركزي… أوروبا مجرد هامش لإفريقيا. انظروا! لقد مكثوا في بلدي لأكثر من مائة عام، ولم يتحدثوا لغتي، بل أنا أتحدث لغتهم. بالنسبة لي، لا يعتمد المستقبل على فهم أوروبا لي. أتمنى لو يفهمونني، لكن هذا لا يعني لي شيئا على الإطلاق. إذا نظرتم إلى خريطة إفريقيا، جغرافيا، يمكنكم وضع أوروبا وأمريكا عليها، وسيظل لدينا متسع. لماذا تريدونني أن…؟ هذا الانجذاب! أتعرفون هذا الانجذاب (tropisme)؟ لماذا تريدونني أن أكون كزهرة عباد الشمس تدور حول الشمس؟ أنا الشمس نفسها”.1

بهذا الموقف الحاسم، لا يكتفي سيمبين برفض المركزية الأوروبية، بل يؤسس لرؤية جمالية وفكرية تعتبر إفريقيا ذاتا منتجة للمعنى، لا موضوعا للتأويل الخارجي، ومصدرا للضوء لا مجرد سطح يعكسه.

هذا الوعي التحرري لا يخص الخطاب الثقافي وحده، بل يمتد بعمق إلى السينما الإفريقية التي ظلت، منذ نشأتها، ساحة للصراع حول التمثيل والهوية والسلطة الرمزية. فالسينما في إفريقيا لم تكن مجرد أداة للتسلية أو التسجيل، بل تحولت إلى وسيلة مقاومة فكرية وجمالية، وإلى فضاء يعيد طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالذاكرة، والواقع الاجتماعي، والتحولات السياسية.

بين الاجتماعي والسياسي والجمالي: تعقيد الرؤية السينمائية

إذا كان المجال الاجتماعي يبدو، في الظاهر، مجالا للبسيط واليومي في جل الإنتاجات السينمائية الإفريقية، فإن المجال السياسي يظل فضاء للمركب والمتشابك خِطابا، في حين يعلق الجمالي على شح التمويل أمام بخل الملكة الإبداعية. ومع ذلك، فإن كثيرا من الأفلام الإفريقية، كما كشفتها القراءات النقدية والصحفية المواكبة للدورة الـ26 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة (من 30 ماي إلى 6 يونيو 2026)، حيث تشابكت الأقلام مع المستويات الاجتماعية والسياسية والجمالية لحصاد الدورة، لا على نحو الانطباع المباشر فقط، بل من خلال أشكال الكتابة السينمائية المتنوعة، واختيارات زوايا النقد الوازن من أجل صياغة تصور عام عن حصاد الإنتاج السينمائي الإفريقي بين 2024 و2026.

حصيلة الدورة الـ26، من الصعب الاكتفاء بتصنيفات جاهزة عنها، أو أحكام عامة عند تناول صيغها السردية والإخراجية. فالمسألة لا تتعلق فقط بموضوع الفيلم أو خطابه الظاهر، بل كذلك بطبيعته الفنية وبالرهانات الجمالية والإنتاجية التي تحكمه. وفي هذا السياق، يبدو مفهوم النوع السينمائي (في هيمنة النوع التلفزي) أداة مناسبة للتحليل، لأنه يراعي في الوقت نفسه توقعات الجمهور السينيفيلي وخيارات المخرجين والمنتجين، ويكشف عن التوتر القائم بين الصناعة والتجريب والوسائط، وبين الموروث المحلي وآفاق التلقي العالمي.

ما بعد التصنيف: أولوية المقترح السينمائي المغربي إفريقيا

كشفت بعض التجارب العربية، ومنها نماذج من السينما المغربية (الأفلام الطويلة)، التي عرضت ضمن المسابقة الرسمية للدورة الـ26 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، عن صعوبة التصنيفات المُسبقة، من قبيل “سينما إفريقية” / “سينما عربية/مغربية”، أو “رؤية إفريقية” / “رؤية عربية/مغربية”. فهذه الأعمال، حتى عندما يصعب إدراجها ضمن تصور نمطي للسينما الإفريقية و/أو العربية/المغربية، تظل معظمها ذات قيمة هشة نتيجة ما تقدمه من هججنة سينمائية مُحبِطة للآمال، غير قادرة على تجديد الرؤية وإرباك القوالب الجاهزة، وأخص بالذكر المغربية منها: “ڭوندافا” لعلي بنجلون، “بين جوج قبور” لمحمد مروازي و”وارث الأسرار” لمحمد نظيف.

وهنا تبرز الوظيفة الأهم للمواكبة النقدية بالمهرجانات (شابتها طفيليات بهذه الدورة)، حيث تعمل على إيقاظ الحس النقدي لدى المتفرج وتنميته. فالدفاع الحقيقي عن الجمهور والسينفيليا الحقة لا يتم عبر التبسيط أو الوصاية، بل عبر تمكينه من أدوات الفهم والمساءلة والتأويل. إن جمهورا يمتلك مهارات التفكير النقدي هو جمهور أكثر قدرة على مقاومة الاستلاب البصري والثقافي، وأكثر استعدادا للتفاعل مع السينما باعتبارها فعلا معرفيا ووجدانيا في آن؛ وهو الدافع الأول لكل عملية كتابة وإنتاج عمل سينمائي مَّا، وهذا أمر لمسته عن قرب لدى الجمهور الخريبكي.

المهرجانات الإفريقية: ذاكرة المؤسسة وأفق التداول

إلى جانب الأهمية الجوهرية للأفلام نفسها، يؤدي المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة دورا محوريا في بناء المشهد السينمائي الإفريقي ميدانيا. فالمهرجان ليست مجرد مناسبة للعرض، بل فضاء للقاء بين السينمائيين والنقاد والباحثين والجمهور المتعطش، ومنصة للتفكير الجماعي في التحديات التي تواجه الصناعة السينمائية في القارة.

في هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور التاريخي لمهرجانات عريقة أسهمت في ترسيخ تقاليد سينمائية إفريقية مستقلة، من بينها:

  • أيام قرطاج السينمائية (JCC) في تونس، منذ سنة 1966؛
  • المهرجان الإفريقي للسينما والتلفزيون بواغادوغو (FESPACO) في بوركينا فاسو، منذ سنة 1969؛
  • مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية (FICAK) في المغرب، منذ سنة 1977.

لقد وفرت هذه المهرجانات مجالا لعرض أفلام تستحضر الحضارات الأفريقية القديمة كما الحديثة، وتقرأ الواقع المعاصر بعين فنية ناقدة، كما أسهمت في بروز حركة سينمائية دينامية في إطار تعاون إفريقي جنوب/جنوب، جعلت من الصورة السينمائية أداة مُساءلة للذات وللعالم، عملت على تصاعد الوعي بضرورة اقتراح سياسات ثقافية قارية وإجراءات عملية، للدفاع عن الهويات الثقافية المتعددة وتعزيز حضورها داخل قطاع السينما والسمعي البصري الإفريقيين.

السينما الإفريقية ومقاومة التبعية الثقافية

لم تكن السينما الإفريقية يوما معزولة عن الإكراهات السياسية والاقتصادية التي تحيط بها، بل إن حاجتها إلى الوجود والاستمرار دفعتها إلى ابتكار صيغ جديدة للإنتاج والتعبير والتداول (المهرجانات والإنتاج المشترك، في انتظار التوزيع المشترك). ومن هنا، فإن “الضرورة المهرجانية” نفسها كانت حافزا على الإبداع، وعلى الانفتاح على تعددية وجهات النظر، وعلى بناء شبكات من التعاون تضمن الحد الأدنى من الاستمرارية (ولو على حساب السينيفليا الحقة).

غير أن التحدي الأعمق سينمائيا وقاريا، ظل مرتبطا بالدفاع عن السينما الإفريقية في وجه أشكال من التعصب وسوء الفهم الثقافي خاصة من طرف الغرب الكولونيالي، تلك التي تحصرها في مرتبة “ثقافة فرعية” أو تنظر إليها من خلال منظار استعماري قديم؛ وفي مواجهة هيمنة الشاشات الكبرى ومنطق السوق العالمي غير المتكافئ (غياب سوق قارية وموزعين محليين)، يواصل المنتجون والمخرجون الأفارقة مضاعفة جهودهم من أجل إيصال أصوات شعوبهم، وتمثيل مجتمعاتهم وهي تواجه اختلالات سياسية واقتصادية هيكلية حادة.

ضد الجوهرانية: نحو فهم أكثر انفتاحا للسينما الإفريقية

إن اختزال السينما الإفريقية في نظرية جوهرانية théorie essentialiste واحدة لا يمكن أن يفسر وحدهُ قيمة الرموز أو الشخصيات أو الخيارات التقنية داخل بنية الأفلام؛ فالعمل السينمائي لا يُختزل في هويته الجغرافية، ولا في نواياه السياسية المعلنة، بل يتشكل من شبكة معقدة من المرجعيات الجمالية والسردية والتاريخية.

لهذا، تظهر الحاجة الآن إلى مقاربات نقدية أكثر انفتاحا، تتجاوز العزل النظري، وتكسر الحواجز بين السينمات الإفريقية وغيرها من الحقول المعرفية والفنية والأدبية، وهو ما أكدته دراسات عديدة سعت إلى إعادة التفكير في الكتابة داخل سينمات “إفريقيا السوداء”، من خلال مساءلة الغايات الفنية والفكرية لهذه السينما، وتوضيح رهاناتها الثقافية، بعيدا عن الأحكام الاختزالية وتتبعا لها في سيرورتها ما بعد الحداثية (أو ما بعد الكولونيالية) – postcolonial.

إفريقيا بوصفها مركزا للرؤية الجوانية

في نهاية المطاف، لا تبدو السينما الإفريقية اليوم مجرد رد فعل على المركزيات الغربية القديمة، بل مشروعا مستقلا لإعادة تعريف العالم من منظور إفريقي. إنها سينما لا تطلب الاعتراف بوصفه منحة من الخارج، بل تبني مشروعيتها من قدرتها على تمثيل الواقع، وتفكيك التبعية، واقتراح أشكال جديدة للفهم والتخييل.

ولعل عبارة عثمان سيمبين تظل التعبير الأبلغ عن هذا الوعي “إفريقيا ليست هامشا يدور في فلك الآخر، بل مركزا ممكنا للرؤية، ومصدرا لخطاب سينمائي قادر على أن ينظر إلى ذاته وإلى العالم بثقة وحرية وابتكار”؛ وخريبكة قلعته الاقتصادية والسينمائية.

في حديث آخر

الدورة الـ26 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة (من 30 ماي إلى 6 يونيو 2026) تميزت بلمعان غياب تمثيلية مغربية في مستوى الحدث بحفلي الافتتاح والاختتام، حيث تم تسجيل غياب كل من وزير الشباب والثقافة والتواصل (الوصي على القطاع) والمدير العام للمركز السينمائي المغربي، كذلك وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ومديره في الشؤون الإفريقية. في حين، يعد حضور المناسبة واجبا وطنيا ودبلوماسيا بامتياز، وفرضا مهنيا مؤكدا؛ وهو لعمري أمرٌ يتعارض مع التوجهات الاستراتيجية التي ينهجها الملك محمد السادس كعقيدة للدبلوماسية المغربية التي ترسخ حضور المملكة المغربية بين جوقة الأمم الإفريقية من خلال ربط المصير الوطني بالقاري والدفاع عن مصالح “الجنوب” بشتى الأدوات الاقتصادية والثقافية والدينية، بمنطق المسانِد الفعلي والفاعل ميدانيا والشريك الاستراتيجي ببراغماتية قاعدة “رابح – رابح”.

كما عرفت عملية تتويج الأفلام في كل فقرات المهرجان، بطويلها وقصيرها وموازيها، نوعا من الاختيارات المتفارقة ذات الميول الدبلوماسي أكثر منه سينمائيا، حيث تم تهميش (مثلا) الفيلم التّحفة لغة وصورة وإخراجا “ملكة القطن” Cotton Queen، من تأليف وإخراج السودانية سوزانا ميرغني Suzannah Mirghani في أول فيلم روائي طويل لها (إنتاج 2025 في 95 دقيقة). هذا الفيلم الذي يفوق ويتجاوز ويعلو بفارق سبع سماوات عن سبع طبقات تحت الأرض عن شريط تلفزي مغربي هش هجين مُنِحت له جائزة الإخراج (جائزة إدريسا ويدراووغو)، وهو لوصمة عار في حق لجنة التحكيم بأكملها.

لا يفوتني هنا التعبير عن إعجابي الشديد بالمكتبة الوسائطية التابعة للمكتب الشريف للفوسفاط Médiathèque OCP – KHOURIBGA (المكتب هو الشريك التاريخي والرسمي لمؤسسة للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة FFICAK)، صِرح معماري على مساحة إجمالية تصل لـ11 ألفا و200 متر مربع (حوالي هكتار وثمن) من توقيع المهندس المعماري المغربي عز الدين المنتصر (شيد سنة 2015)، وثقافي تربوي يضاهى أعتى المركبات الثقافية بالمعمور بضمه لأكثر من 32 ألف كتاب، كما تضم بمجمعها المعماري “مدرسة 1337” – 1337 Coding School للبرمجة، وهي مدرسة رائدة دوليا مختصة في العلوم الرقمية وتابعة لجامعة محمد السادس متعددة التقنيات (انطلقت سنة 2018، تقدم تدريبا في علوم الحاسوب وبرمجته من خلال أنموذج تعليمي قائم على المشاريع والتعلم من الأقران، مستوحى من المدرسة الفرنسية 42).

متمنياتي أن يكون مستقبلا حاضنا لكل فعاليات المهرجان، وفاعلا ميدانيا بطاقاته البشرية والأكاديمية في بلورة تطوير آفاق خريبكة كقلعة سينمائية إفريقية بامتياز.

للمعلومة:

  • هذا الاقتباس مأخوذ من مقابلة أجراها المخرج السينمائي السنغالي عثمان سيمبين في الفيلم الوثائقي التاريخي “كاميرا أفريقيا” – Caméra d’Afrique، الذي أخرجه المخرج التونسي فريد بوغدير، إنتاج 1983 – 95 دقيقة.

*خبير إعلامي فني وسينمائي

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

مهرجان خريكة السينمائي ينطلق في أجواء احتفالية طبعتها ثقافة الاعتراف والتكريم

تكريم مستحق للفنان المتعدد المواهب يونس ميكري واحتفاء خاص بأرواح الرواد الذين غادرونا إلى دار …