السينما المغربية بعد “كان”: هل حان وقت مراجعة الوهم؟

السينما المغربية مدعوة إلى تجاوز الثنائية الزائفة بين سينما مهرجانية نخبوية وسينما تجارية استهلاكية

الرقي الدولي لا يعني أن تُنتج السينما المغربية أعمالًا موجَّهة للخارج وحده، كما لا يعني أن تنغلق داخل خصوصية غير قابلة للتداول…

احترام الجمهور لا يعني مجاملته ولا يعني خفض السقف الفني ولا تقديم أعمال استسهالية ولا الاستسلام الفج لمنطق السوق…

“الشعبوية” -the popular ليست نقيضاً للجودة وأن احتقار الجمهور العريض يُضعف التمثيل على الشاشة ويُقيِّد مسارات المبدعات والمبدعين…

“تقرير نوستراداموس” حيث قدمت فيه دراسة معيارية في الصناعة السينمائية والسمعي البصري، معززة بتحليلات استشرافية ومعلومات استراتيجية للمهنيين في هذا المجال…

هشام الودغيري*

مع اختتام فعاليات الدورة الـ79 لمهرجان كان السينمائي (12-20 ماي 2026)، حيث حطت بعثة مغربية رسمية على سواحل “الكروازيت” بطاقم تمثيلي معتبر رقميا، كانت فيه النوايا محملة بالأمل (كالعادة) في إعادة تموضع المملكة فيمهرجان كان السينمائي. لكن ما رُوِّج له إداريا كـ”عودة قوية” يحمل في طياته أسئلة جوهرية: هل يكفي الحضور الرمزي لإعادة بناء صناعة سينمائية وطنية؟ وهل نحن مستعدون للتحولات العميقة التي يعرفها عالم الشاشة عالمياً؟

خارج عروض الأفلام المبرمجة، كانت هناك عدة فقرات مهمة ضمن سوق الأفلام (انظر “حديث الاثنين 20″)، أبرزها لدي هو موعد ” تقرير نوستراداموس* – Nostradamus Report” بفقرة كرس* – سين CresCine يوم 18 ماي، تمحورت الفقرة حول حالة السينما الأوروبية وإطلاق “تقرير نوستراداموس” حيث قدمت فيه دراسة معيارية في الصناعة السينمائية والسمعي البصري، معززة بتحليلات استشرافية ومعلومات استراتيجية للمهنيين في هذا المجال.

يُنجز “تقرير نوستراداموس” بتكليف من مهرجان غوتنبرغ السينمائي (Göteborg International Film Festival)، وهو مهرجان سنوي يقام بمملكة السويد، أسس سنة 1979، ويعد أكبر مهرجان سينمائي بالدول الإسكندنافية). هذا التقرير يُصدر سنوياً منذ عام 2013، ويعمل على رسم ديناميكيات الصناعة السينمائية في المستقبل القريب من خلال البحث والمقابلات مع كبار المتخصصين في مجالات السينما والتلفزيون والتمويل والإعلام الرقمي.

عُرضت نسخة 2026 خلال برنامج “كان نكست – Cannes Next” في سوق الأفلام بمهرجان كان الأخير، من طرف مؤلفة التقرير، المحللة الإعلامية جوهانا كولجونين Johanna Koljonen، بعنوان “تحدي التوقعات – Challenging

Projections”، حيث تم بسط أرضية تحديث شامل لكيفية فهم النظام السمعي البصري عالميا وقياسه والتعامل معه.

ركز التقرير بشكل أساسي على صعود ما يُطلق عليه “اقتصاد المحتوى الجديد – New Content Economy”، حيث تُولَّد القيمة بشكل متزايد من خلال العلاقات المباشرة مع الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات، وتطوير الملكية الفكرية عبر المنصات المختلفة. في هذا السياق، لم يعد الإنتاج الذي يقوده المبدعون المستقلون يُعتبر هامشيًا في صناعة السينما، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ منها.

يتحدى التقرير صراحةً المواقف السائدة في الصناعة تجاه المبدعين والمؤثرين، ويشير إلى أن المحتوى المكتوب على الإنترنت قد شكَّل أرضية تدريبية موازية للمهنيين في مجال السمعي البصري، ولكنه لا يزال يُعاني من نقص التقدير في أطر التوظيف والتمويل والمؤسسات. ويؤكد التقرير أن هذا الانفصال لم يعد مستدامًا في سوق عمل يتسم بمسارات مهنية هجينة.

من بين أهم أوراق تقرير 2026 كان الفصل 5 التعامل مع الشعبي – Reckoning With the Popular”، الذي عمل على إعادة تقييم مفهوم سرد القصص “الشعبي – popular”، حيث أشار إلى أن ثقافة السينما الأوروبية، على وجه الخصوص، غالبًا ما أساءت فهم رغبات الجمهور من خلال مساواة الشعبية بالتنازل الفني. بدلاً من ذلك، أطَّر الفصل الأشكال الشعبية باعتبارها أساسيةً للأهمية الثقافية واستدامة الصناعة، لا سيما مع ازدياد مشاركة مجتمعات المعجبين وأنظمة المبدعين في تطوير الملكية الفكرية وتداولها.

ومن الحجج الأساسية التي اعتمدها الفصل 5 هي ضرورة إعادة تعريف النجاح نفسه؛ فبدلاً من التركيز الضيق على إيرادات شباك التذاكر أو أداء المشاريع الفردية، يقترح التقرير قياس صحة النظام البيئي بأكمله: المبدعين، والشركات، والمؤسسات، والجمهور. ويشمل ذلك الإقرار بأن القيمة تتراكم بشكل متزايد خارج نطاق العرض السينمائي أو البث التقليدي، وغالباً ما تكون في الفضاءات الرقمية والمجتمعية التي لا تزال غير مُقاسة بشكل كافٍ.

قراءة موجزة للتقرير

كشف “تقرير نوسراداموس 2026 “Nostradamus Report – عن تحولات جذرية تُعيد رسم خريطة صناعة الشاشة (صغيرة كانت أو كبيرة). فحجم إنتاج الدراما التلفزيونية في تراجع نحو 75% من ذروته، والميكرودراما (microdrama) الصاعدة عبر المنصات الرقمية تحقق أرباحاً متزايدة. والأهم من ذلك، أن “المبدعين والمؤثرين creators and influencers” لم يعودوا منبوذين في صناعة الأفلام، بل أصبحوا محوراً استراتيجياً في خطط الإنتاج والتسويق.

أكد التقرير أن النظرة الاستعلائية للمحتوى الشعبي (the popular) تُضعف صناعة السينما الأوروبية، وأن امتلاك علاقة مباشرة مع الجمهور (owning audience relationships directly)  لم يعد ترفاً بل ضرورة للبقاء. كما يشير إلى أن مجتمعات المحبين/الغاوين (fan communities) أصبحت شريكاً إبداعياً، وأن النجاح لم يعد يُقاس بمبيعات التذاكر فحسب، بل بمدى “ازدهار الجميع whether all of us are thriving”.

كما كشف عن فجوة الاستراتيجيات مقلقة؛ فهو يُذكِّرنا بأن “الشعبوية” -the popular ليست نقيضاً للجودة، وأن احتقار الجمهور العريض يُضعف التمثيل على الشاشة ويُقيِّد مسارات المبدعات والمبدعين من الأقليات. وهو درس بليغ للسينما المغربية التي تعاني هي الأخرى من فجوة بين “السينما النخبوية” و”الجمهور العريض”.

الخلاصة

ما يجري في “كان” – Cannes ليس مجرد حفل سينمائي، بل مرآة تعكس مدى جدية الدول في بناء صناعتها الثقافية. والمغرب مطالب اليوم أن يُعيد النظر في مقاربته، مستفيداً من التحليلات العالمية التي تؤكد أن مستقبل الشاشة لن يُبنى بالرموز، بل بالجمهور، ولا بالوجود المؤقت، بل بالاستراتيجيات المُستدامة. فإما أن نحضر بقوة، وإما أن نبقى “هواة” في سوق لا يرحم الهواة.

في حديث آخر:

المبتغى للرقي بالسينما المغربية وطنيًا ودوليًا على ضوء “تقرير نوسراداموس 2026”.

أصبح الرقي بالسينما كونيا اليوم سؤالًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الإنتاج الفني الضيق، ليرتبط بمكانة السينما الثقافية، وبصورتها لدى الجمهور العادي، وبقدرته على بناء صناعة إبداعية قادرة على التنافس وخلق القيمة ماديًا ورمزيًا. وإذا كان تقرير “نوسراداموس 2026” يضع هذا الطموح داخل عالم متحوِّل تتغير فيه قواعد التمويل والإنتاج والتوزيع واكتشاف الجمهور؛ ثم يأتي التنصيص على البعد الحاسم يتمثل في ضرورة مراجعة النظرة المتعالية لسينما الراوي Auteur إلى السينما الشعبية Popular والجمهور الواسع، والتنبيه إلى أن الاحتقار الضمني لما هو جماهيري يحرم السينما من طاقات كبرى في الانتشار والتمثيل والتأثير.

بالتالي، يمكن القول إن المبتغى الحقيقي للرقي بالسينما المغربية وطنيًا ودوليًا يقوم على ثلاثة تحولات مترابطة: 1 التحول من التمثيل الرمزي إلى الفعل الاستراتيجي، 2 من التدبير التقليدي إلى المرونة في عالم متغير، و3 من الانغلاق النخبوي إلى احترام الجمهور الواسع دون التفريط في القيمة الفنية.

الرقي الوطني يبدأ من بناء منظومة سينمائية متكاملة

لا يمكن للسينما المغربية أن ترتقي دوليًا إذا ظلت بنيتها الوطنية غير متماسكة؛ فالرهان ليس فقط في إنتاج أفلام تُشارك في بعض المهرجانات، بل في بناء منظومة متكاملة تشمل التكوين، والكتابة، والتطوير، والإنتاج، وما بعد الإنتاج، والتوزيع، والعرض، والنقد، والترويج؛ إذ لا قيمة لنجاحات متفرقة إذا لم تتحول إلى دينامية مؤسسية قادرة على الاستمرار.

لذلك، فإن المبتغى الوطني للرقي بالسينما المغربية يقتضي دعم التكوين المهني المتخصص في مختلف المهن السينمائية، وتشجيع كتابة السيناريو، ومواكبة المنتجين الشباب، وتطوير قنوات التوزيع، وإنعاش قاعات العرض، وخلق بيئة تسمح للفيلم المغربي بأن يعيش داخل بلده قبل أن يطلب الاعتراف خارجه؛ فالفيلم الذي لا يبني علاقة حقيقية مع جمهوره الوطني يظل غالبًا هشًا في تموقعه الدولي، إلا في حالات استثنائية ونادرة.

كما أن الرقي الوطني يستلزم ترسيخ الشفافية في منظومة الدعم والانتقاء والتقييم، حتى يشعر المهنيون بأن المجال تحكمه قواعد واضحة، وأن النجاح فيه مرتبط بالكفاءة والابتكار والجدية، لا بمنطق العلاقات أو الصدف أو الترتيبات العابرة والريع المستنزف للمال العام، ولا منطق الجهوية القبَلية غير الدستوري؛ فالحكامة الجيدة ليست مطلبًا إداريًا فقط، بل شرط أساسي لخلق الثقة داخل القطاع، وبالتالي شرط أساسي للنهوض به.

السينما المغربية داخل عالم يتغير بسرعة

يُنبِّه تقرير “نوسراداموس 2026” إلى أن الصناعة السمعية البصرية العالمية توجد في قلب تحولات عميقة تمس كل شيء تقريبًا: طريقة تطوير القصص، وآليات تمويل المشاريع، وأساليب إنتاج المحتوى، ووسائط توزيعه، وطرق وصوله إلى الجمهور. كما يسلط الضوء على المخاطر المرتبطة بتمركز القوة الإعلامية والتكنولوجية، خصوصًا مع صعود الذكاء الاصطناعي، الذي قد يعيد تشكيل الاقتصاد الثقافي في ظرف زمني قصير وقريب.

في هذا السياق، لا يمكن للسينما المغربية أن تستمر بمنطق الثبات وتحصيل الحاصل، لأن الثبات في زمن التحولات الكبرى قد يعني التراجع أو الانكسار، وتحصيل الحاصل يكرس الجمود الإبداعي. لذلك فإن أحد أهم مبتغيات الرقي يتمثل في المرونة الاستراتيجية: أي القدرة على مراجعة الفرضيات القديمة، وتحيين السياسات الثقافية، وتطوير الأدوات المهنية بما ينسجم مع البيئة الجديدة.

إن “الفيلم” اليوم لا ينجح فقط لأنه جيد فنيًا، بل لأنه أيضًا يجد طريقه إلى الجمهور في بيئة تنافسية شديدة التعقيد، تهيمن عليها المنصات والخوارزميات وسوق الانتباه. من هنا، فإن السينما المغربية مطالبة بإعادة التفكير في علاقتها بالتوزيع الرقمي، وبالتسويق، وباستعمال البيانات لفهم الجمهور (أين هي أرقام شباك التذاكر المغربي)، وبكيفية الوجود داخل الشبكات العالمية الجديدة، دون أن يعني ذلك الذوبان في منطق السوق الخالص وهيمنة الإملاءات الغربية الكولونيالية التقزيمية.

كما أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون تعاملًا نقديًا ومتوازنًا: لا انبهارًا ساذجًا، ولا رفضًا محافظًا؛ فالمطلوب هو استخدام الأدوات الجديدة لتقوية الكتابة والإنتاج والترويج والوصول، مع الحفاظ على البعد الإنساني والإبداعي للعمل السينمائي. لأن السينما، في نهاية الأمر، ليست مجرد منتَج تقني، بل تعبير جمالي وأخلاقي وإنساني عن المجتمع ومخيلته وأسئلته في صيرورة زمنية وفنية متطورة وبسرعة العصر.

مراجعة العلاقة بالسينما الشعبية والجمهور

يضيف تقرير “نوسراداموس 2026” تحليلا بالغ الأهمية، إذ ينتقد الحكمة التقليدية السائدة في بعض الأوساط السينمائية الأوروبية، التي تساوي بين “الشعبي – popular” و”التافه – trivial”، وتتعامل مع الشغف الجماهيري بوصفه نقيضًا للقيمة الفنية. وهذه النظرة، كما يبين التقرير، تؤدي إلى استخلاص دروس خاطئة من النجاحات الكبرى، وتخلق مسافة بين الصناعة السينمائية وبين فئات واسعة من الجمهور، كما تضعف التمثيل على الشاشة وتحُد من فرص النساء والمخرجين المنتمين إلى الأقليات.

هذا المعطى مهم جدًا بالنسبة إلى السينما المغربية؛ إذ إن أحد معيقات تطورها يكمن أحيانًا في وجود تصور ضمني يضع السينما “الجدية – serious” في مقابل السينما “التي تصل إلى الناس”، وكأن العمق الفني لا يمكن أن يجتمع مع الانتشار الجماهيري. والحال أن التقرير يقدم أمثلة على أعمال عالمية حققت نجاحًا كبيرًا لأنها لم تخجل من التزامها الجمالي، ومن انفتاحها على الأنواع السينمائية، ومن اعتمادها على العاطفة القوية، ومن معالجتها لموضوعات الأمل والصمود في أزمنة صعبة. وهذا معناه أن “الشعبي” ليس بالضرورة سطحيًا superficially، وأن الجماهيري يمكن أن يكون عميقًا.

من هنا، فإن السينما المغربية مدعوة إلى تجاوز الثنائية الزائفة بين سينما مهرجانية نخبوية وسينما تجارية استهلاكية. المطلوب ليس الاختيار بين الطرفين، بل بناء منطقة إبداعية وسطى وواسعة، تنتج أفلامًا ذات جودة فنية، لكنها أيضًا قادرة على التواصل مع الناس، وعلى استثمار الأنواع السينمائية مثل الدراما الاجتماعية، والإثارة، والفانتازيا، والكوميديا، والخيال العلمي، والرعب، دون شعور بالنقص أو الارتياب الثقافي. فهذه الأنواع ليست أقل قيمة في ذاتها، وإنما تتحدد قيمتها بطريقة توظيفها فنيًا وفكريًا وجماليًا.

إن المفهوم السائد “تحقير الشعبي” قد يؤدي عمليًا إلى تهميش فئات كاملة من المتفرجين، وإلى تضييق مفهوم التمثيل على الشاشة، وإلى تقليص فرص صُناع أفلام قادرين على مخاطبة جمهور واسع بلغات سردية جديدة. ولذلك، فإن إحدى غايات الرقي بالسينما المغربية هي ردم الفجوة بين السينما والمجتمع، وجعل الفيلم المغربي فضاءً يرى فيه المغاربة أنفسهم، لا فقط من خلال موضوعاتهم المحلية، بل أيضًا من خلال أحاسيسهم، ومخاوفهم، وأحلامهم، وأشكال ترفيههم المشروعة. (طبعا باحترام أبجديات المهنة تقنيا وفنيا).

المفتاح، بنظري، هو احترام الجمهور، وهو شرط من شروط النهوض ونقد الاحتقار الضمني لما هو “شعبي” بالمفهوم القدحي.

احترام الجمهور لا يعني مجاملته، إن احترام الجمهور لا يعني خفض السقف الفني، ولا تقديم أعمال استسهالية، ولا الاستسلام الفج لمنطق السوق. بل معناه، كما يفيد “تقرير نوسراداموس 2026″، الاعتراف بذكاء الجمهور، وبقدرته على التفاعل مع أعمال معقدة، وباستعداده لاحتضان سرديات تجمع بين المتعة والعمق. وهذا الاحترام يفترض أن يُنظر إلى المتلقي لا باعتباره مجرد مستهلك، بل بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى.

بين الخصوصية الوطنية والانفتاح الكوني

الرقي الدولي لا يعني أن تُنتج السينما المغربية أعمالًا موجَّهة للخارج وحده، كما لا يعني أن تنغلق داخل خصوصية غير قابلة للتداول. فالمعادلة الدقيقة تكمن في إنتاج سينما متجذرة محليًا وقابلة إنسانيًا للعبور (المعادلة الصعبة التي ربحتها تركيا وكوريا). وهذا يقتضي الاشتغال على قصص مغربية في عمقها الاجتماعي والثقافي واللغوي، لكن بلغة سينمائية واعية بالإيقاع، وبالبناء الدرامي، وبقوة الصورة، وبآليات الوصول إلى الجمهور العالمي.

العالم لا ينتظر من السينما المغربية أن تقلد النماذج المهيمنة، بل أن تقدم صوتها الخاص “تامغرابيت”. غير أن هذا الصوت الخاص لا يكتسب شرعيته الدولية إلا إذا اقترن بالاحترافية التقنية، وقوة الكتابة، والبعد الإبداعي الاستباقي، وحسن التموضع داخل الأسواق والمنصات والمهرجانات الدولية؛ لذلك فإن الخصوصية وحدها لا تكفي، تمامًا كما أن الانفتاح وحده لا يكفي، بل لا بد من الجمع بين الهوية والجودة والاستراتيجية والتمويل المستحق (من غير المقبول صناعيا وإبداعيا وتنافسيا إنتاج فيلم سينمائي مغربي سنة 2026 بأقل من 10 عشرة ملايين درهم).

وعليه، فإن المبتغى الأعمق للرقي بالسينما المغربية وطنيًا ودوليًا هو بناء سينما ذات رؤية: سينما تعرف ماذا تريد من حضورها الخارجي، رقي لا يُقاس بعدد الصور الملتقطة في المهرجانات، بل بقدرة السينما المغربية على أن تتحول إلى صناعة ثقافية حية، وإلى ذاكرة بصرية مشتركة، وإلى أفق وطني ودولي للفن تأثيرًا ومعنًى، وتملك مؤسسات قادرة على مواكبتها، وتستوعب التحولات التقنية والاقتصادية، وتحترم جمهورها، وتؤمن بأن الانتشار لا يُناقض القيمة، وأن الوطنية لا تُناقض العالمية.

تلك هي السينما المغربية المنشودة: سينما لا تكتفي بأن تكون حاضرة، بل تكون مؤثرة؛ لا تكتفي بأن تُمثِّل المغرب، بل تساهم بقوة ناعمة في إعادة تعريف صورته وقوته الرمزية داخل جوقة الأمم.

 

للمعلومة:

  • مشروع نوستراداموس هو من تأسيس وإدارة مهرجان غوتنبرغ السينمائي Göteborg Film Festival. يضم المشروع شركاء من بينهم: German Films، وKulturakademin، وMOIN Film Fund Hamburg Schleswig-Holstein، وصندوق السينما الهولندي The Netherlands Film Fund، بالإضافة إلى دعم من برنامج Creative Europe MEDIA، ومنطقة فسترا غوتالاند Region Västra Götaland، وصندوق نوردسك للأفلام والتلفزيون Nordisk Film & TV Fond.
  • يهدف مشروع CresCine بشكل عام إلى تعزيز القدرة التنافسية والتنوع الثقافي لصناعة السينما الأوروبية. يعمل كمختبر لفهم الأسواق الأوروبية الصغيرة والتفاعل معها، وصولاً إلى هدف إحداث تغيير جذري فيها، وذلك عبر إجراء بحوث ميدانية وتجارب مهنية يتم تجميعها في كل من إستونيا وليتوانيا والدنمارك وأيرلندا وبلجيكا (فلاماندرز) وكرواتيا والبرتغال بتنسيق مع جامعة لوسوفونا Universidade Lusófona البرتغالية (من أبرز الجامعات في البرتغال في مجال تعليم السينما والإعلام، وتتمتع هذه الجامعة بخبرة واسعة في تحليل الجمهور والسوق النوعي، وتطوير أدوات السياسات لصناعة السينما، حيث تُجري بانتظام أبحاثًا بتكليف من الحكومة البرتغالية حول السياسات الثقافية. وقد سبق لهذه الجامعة أن أجرت العديد من الدراسات حول نفور الجمهور المحلي من الأفلام المنتجة محليًا، وهي متاحة عبر موقع CresCine.
  • التقرير الكامل “تقرير نوستراداموس 2026 – تحدي التوقعات” متوفر عبر موقع مهرجان غوتنبرغ السينمائي.

 

*خبير إعلامي، فني وسينمائي

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

 السُّولِيمَا المغربية.. فيلم من حصاد الشَّنَاقَة

لا داعي لطرح السؤال حول التدليس الذي يمارس باسم تبادل الثروات الثقافية وتداولها من خلال …