تكريم مستحق للفنان المتعدد المواهب يونس ميكري واحتفاء خاص بأرواح الرواد الذين غادرونا إلى دار البقاء…
عز الدين كريران: الثقافة والسينما على وجه الخصوص ليست ترفا بل هي رهان حقيقي على المستقبل وعلى بناء مجتمع متوازن ومبدع ومنفتح…
بيت الفن
في أجواء احتفالية طبعتها روح إفريقيا وثقافة الاعتراف والتكريم، انطلقت مساء السبت 30 مايو 2026 بالمركب الثقافي محمد السادس بمدينة خريبكة، فعاليات الدورة الـ26 من المهرجان الدولي للسينما الإفريقية، وسط حضور وازن لشخصيات سينمائية وفنية وثقافية وإعلامية من مختلف المشارب.
تميز حفل الافتتاح بالاحتفاء بأرواح أصدقاء المهرجان، الذين غادرونا إلى دار البقاء مثل الفيلسوف إدغار موران والمخرج محمد عهد بنسودة والمخرج نبيل لحلو والموسيقار عبد الوهاب الدكالي…
كما تم تسليط الضوء خلال حفل افتتاح هذه الدورة، التي تقام إلى غاية 6 يونيو 2026 تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، على سينما البلد الضيف الكونغو الديمقراطية، عبر شريط توثيقي.

وشهدت الدورة المنظمة تحت شعار “السينما الإفريقية بين إغراء منصات البث الرقمي ونبض الحلم”، تقديم الأفلام المشاركة في مختلف مسابقات الدورة، وأعضاء لجان التحكيم، التي تتشكل من شخصيات سينمائية وثقافية وازنة بما يضمن تعددية الرؤى والمقاربات النقدية والجمالية، ففي مسابقة الأفلام الطويلة، يترأس لجنة التحكيم السينمائي البوركينابي أليكس موسى ساوادوغو، بمساعدة بولين سيلفيان غبولو من إفريقيا الوسطى، وسعاد حسين من جيبوتي، وليونس نجابو من بوروندي، والشرقي عامر من المغرب، أما لجنة تحكيم الأفلام القصيرة، فيرأسها المخرج المغربي عبد الإله الجوهري، بمشاركة أسماء إفريقية من الطوغو وتشاد، في إشارة واضحة إلى حرص المهرجان على تمثيل مختلف الحساسيات الثقافية والجغرافية داخل القارة.

وتم أيضا تقديم لجان التحكيم الثقافية الخاصة بالمهرجانات السينمائية الإفريقية والأندية السينمائية والنقد السينمائي الإفريقي، في تأكيد واضح على البعد الثقافي والفكري للمهرجان، وعلى رغبته في إعادة الاعتبار للنقد السينمائي وللأندية السينمائية التي لعبت تاريخيا دورا محوريا في نشر الثقافة السينمائية بالمغرب وإفريقيا.
ومن أقوى لحظات حفل الافتتاح لحظة تكريم الفنان المغربي المتعدد المواهب يونس ميكري، نظير عطائه المتميز في مجال السينما ممثلا ومغنيا ومؤلفا موسيقيا.
وأعرب بطل “السيمفونية المغربية” عن اعتزازه بهذا التكريم تقديرا لمسيرته الفنية، وكذا عن سعادته بتقاسم هذه اللحظة مع جمهور المهرجان على العموم وأصدقائه وزملائه الفنانين وزجته نادية نيازي على الخصوص.
وذكر أنه اختار أن يشق طريقه الفني الخاص وأن يصنع موسيقاه بأسلوبه الشخصي، قبل أن ينفتح على عالم السينما، وهو المسار الذي أتاح له بلورة رؤيته الفنية الخاصة.

يونس ميكري فنان يتجاوز حدود الفنون وصوت يتجاوز الزمن
في كلمة حول المكرم يونس ميكري، قال المخرج كمال كمال، الذي جمعته بالمحتفى به صداقة طويلة وأعمال سينمائية متميزة (السيمفونية المغربية، الصوت الخفي، ووحده الحب…)، “قبل الحديث عن السينما، أود الحديث عن صوت، صوت لم يقتصر على غناء الأغاني، بل حمل معه حقبة بأكملها، صوت عرف كيف يتجاوز الأجيال دون أن يفقد روحه، يونس ميكري ليس مجرد فنان، بل هو من تلك الشخصيات النادرة التي توحي بأن الفن ما زال بإمكانه أن يكون صادقا، رقيقا، وإنسانيا”.
وأضاف كمال “عرفنا ألحانه، ورأينا وجهه على الشاشة، لكن من حظي بفرصة معرفته عن كثب، عرف رقته، وأناقته الداخلية، وتواضعه… في عالم سريع الوتيرة، صاخب، وعابر، يذكرنا يونس بجمال الحساسية. يذكرنا بأن الفنان ليس من يسعى إلى الأضواء بأي ثمن، بل من ينير حياة الآخرين بهدوء، عندما يذكر اسم يونس ميكري، لا تتدفق الذكريات فحسب، بل تستحضر ليالي الحنين، ولحظات الوداع، ولقاءات الفراق، ولحظات الصمت في السيارة، وأصوات الراديو التي تترك مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل، وذلك الحزن الغريب العذب الذي لا تتركه في القلب إلا بعض الأغاني”.

يرى كمال كمال أن يونس “لا يغني ولا يمثل ليثير الإعجاب، بل يغني ويمثل كمن يجرؤ على إظهار جرح دون أن يحوله إلى مشهد مثير، ولعل هذا هو السبب في أن أجيالا عديدة لا تزال تتعرف على نفسها في صوته ووجهه، عندما تبث أغانيه على أثير الراديو، أو تجسد شخصياته على الشاشة أو في مسرح مظلم، يبدو العالم وكأنه يتباطأ. ننظر إلى المطر على النافذة بنظرة مختلفة، تصبح الشوارع أكثر شاعرية، حتى الصمت له موسيقاه الخاصة، صوته، الذي يبدو وكأنه قادم من بعيد، يخاطب مباشرة شيئا حميما للغاية في داخلنا، وقبل كل شيء، يذكرنا بأن الرقة ليست ضعفا، وأن الشعر لا يزال بإمكانه الوجود في عالم تسوده الفوضى، وأن الحزن قد يكون جميلا عندما يتحول إلى موسيقى”.
في هذه الليلة، في هذا المهرجان السينمائي، يؤكد كمال أنه “من المهم أن نقول إن بعض الفنانين يتجاوزون حدود الفنون، لأنهم يحملون السينما في نظرتهم، والمسرح في صمتهم، وقصصا كاملة في نغمة واحدة مغناة، يونس هو أحد هؤلاء الفنانين، لذا، في هذه الليلة، لا أريد فقط أن أشيد بمغن عظيم أو ممثل عظيم، أود أن أشيد بالأثر الذي تركه في حياتنا… الليلة، لا نحتفل بمسيرة فنية فحسب، بل نحتفل بحضور خالد، ذكرى حية للأغنية المغربية، وللسينما المغربية، وقبل كل شيء، لنبل قلبه، هناك فنانون نصفق لهم، وهناك فنانون نحتفظ بهم في ذاكرتنا مدى العمر، يونس واحد منهم، لذا، بمشاعر جياشة، وامتنان عميق، ومحبة صادقة، أود أن أقول لك شكرا، شكرا على الأغاني التي لا تزال تلامس قلوبنا، شكرا على الشخصيات التي جسدتها، شكرا على الصداقة الوفية، وعلى رقة مشاعرك، وعلى روحك الحرة.. شكرا يونس”.

عرس سينمائي يوحد القلوب حول قيم الإبداع والانفتاح والحوار
في كلمة بالمناسبة وصف مدير المهرجان، عز الدين كريران، هذه التظاهرة السينمائية بالموعد السنوي الذي يجمع عشاق الفن السابع، ويوحد القلوب حول قيم الإبداع، والانفتاح، والحوار بين شعوب القارة الإفريقية، معتبرا الحضور المتميز والوازن لضيوف المهرجان والالتزام المتواصل للداعمين والشركاء الذين آمنوا بأهمية الثقافة كقاطرة للتنمية، بمثابة إسهام فعلي في تعزيز جسور التواصل الثقافي وترسيخ مكانة السينما الإفريقية كرافعة للتعبير عن الهوية المشتركة، وهموم، وتطلعات مبدعي القارة الإفريقية نحو مستقبل أفضل.
كما ثمن كريران عاليا جهود المنظمين، الذين يعملون بإخلاص وشغف لإنجاح هذه الدورة، واستمرار هذا الحدث السينمائي بلغ عامه الـ49 ليصبح فضاء حيويا يساهم في تحريك عجلة التنمية المحلية بمدينة خريبكة، من خلال تنشيط السياحة الثقافية، ودعم الاقتصاد المحلي، وخلق فرص للتبادل المهني والفني، فضلا عن تعزيز صورة المغرب كوجهة ثقافية رائدة على الصعيدين الإفريقي والدولي.

وانسجاما مع التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، التي ما فتئت تؤكد على جعل الثقافة رافعة أساسية للتنمية الشاملة، أشار عزالدين كريران إلى أن المهرجان يجسد رؤية ملكية متبصرة تعتبر الثقافة استثمارا استراتيجيا في الإنسان، وأداة فعالة لتعزيز الإشعاع الحضاري للمملكة. كما يندرج ضمن مقاربة الدبلوماسية الثقافية التي يعتمدها المغرب، حيث تشكل السينما جسرا للتواصل مع الشعوب الإفريقية، ووسيلة لتعميق التعاون جنوب-جنوب، وترسيخ قيم الحوار والتسامح والانفتاح.
وتندرج هذه الدينامية، يضيف مدير المهرجان، في إطار الرؤية الملكية الاستراتيجية تجاه القارة الإفريقية، التي تجعل من القارة عمقا تاريخيا وثقافيا وحضاريا للمملكة المغربية، وشريكا أساسيا في بناء مستقبل مشترك قائم على التضامن والتكامل.

ويرى كريران أن جلالة الملك محمد السادس أرسى منذ سنوات، نموذجا متفردا للتعاون، لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والتنموية فحسب، بل يمنح الثقافة والفنون مكانة مركزية باعتبارهما لغة إنسانية جامعة وجسرا للتقارب بين الشعوب، وقد تجسدت هذه الرؤية في دعم التبادل الثقافي والفني بين البلدان الإفريقية، والاحتفاء بالتراث الإفريقي المشترك، وتشجيع الصناعات الثقافية والإبداعية، إلى جانب احتضان آلاف الطلبة الأفارقة في الجامعات والمعاهد المغربية، بما يعزز نقل المعرفة وتكوين أجيال جديدة مؤمنة بقيم التعاون والانفتاح.

وفي هذا السياق، أبرز عزالدين كريران أن المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة يكتسب أهمية خاصة باعتباره واحدا من أعرق المنابر الثقافية بالقارة، وفضاء للحوار بين المبدعين الأفارقة، ومنصة لتثمين السرديات الإفريقية وإبراز غنى القارة وتنوعها الثقافي والحضاري، مؤكدا أن الثقافة والسينما على وجه الخصوص، ليست ترفا، بل هي رهان حقيقي على المستقبل، وعلى بناء مجتمع متوازن ومبدع ومنفتح.

بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.