إدغار موران.. آخر عمالقة الفكر الفرنسي يرحل عن 104 أعوام

كتب موران في السينما والثقافة البصرية في كتابيه “السينما أو الإنسان الخيالي” و”النجوم“، حيث درس حضور الصورة والخيال والنجومية وأثر السينما في الثقافة الحديثة…

في الشأن الفلسطيني عرف موران بمواقفه المنتقدة للاحتلال الإسرائيلي والاستيطان وحصار غزة…

بيت الفن

رحل عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن 104 أعوام، بعد مسيرة فكرية امتدت أكثر من ثمانية عقود. اشتهر بمفهوم “الفكر المركب” وبعمله المرجعي “المنهج”، وظل أحد أبرز الأصوات الفكرية في فرنسا والعالم حتى سنواته الأخيرة.

المفكر العملاق، المعروف بانتمائه الفكري إلى اليسار، والمناضل السابق في صفوف المقاومة الفرنسية، كان صاحب نحو أربعين مؤلفا، من بينها “المنهج” (La Méthode)، الذي ترجم على نطاق واسع في مختلف أنحاء العالم الغربي.

على خلاف التيار السائد في علم الاجتماع التقليدي، قدم موران تأملا في الإنسان انطلاقا من معطيات العلم. هذا العقل الموسوعي، اليهودي العلماني المنتمي سياسيا إلى اليسار، والذي كان يرى نفسه “صيادا للمعرفة”، تمثلت أصالته في رفضه تجزئة المعرفة وتقسيمها إلى حقول منفصلة، مفضلا رؤية ثقافية وعلمية متعددة التخصصات لمواجهة “تعقيد الواقع”.

حمل لقب بـ”المفكر الكوكبي” (le penseur planétaire) لأنه سعى، من خلال مفهوم “الفكر المركب” (pensée complexe)، إلى “ربط ما لا يربط عادة في إدراكنا المألوف”، وإلى تحديد “ما يوحدنا بوصفنا كائنات بشرية”.

يرى إدغار موران أنه كلما تفاقمت مخاطر الأزمات – المرتبطة بانتشار الأسلحة النووية، وتدهور المحيط الحيوي، أو اختلال تنظيم الاقتصاد – ازدادت في المقابل فرص إيجاد الحلول.

وعندما كان يسأل، وهو سؤال طرح عليه كثيرا، عما إذا كان متفائلا أم متشائما، أجاب عام 2005: “أنا متفائل – متشائم، آمل على أرضية من اليأس”، وبعد أربعة عشر عاما صاغ الفكرة بصورة مختلفة قائلا: “احتفظت بإلهامات مراهقتي، لكنني فقدت أوهامي، لم أعد أؤمن بأي وعد، ولا بأي مستقبل مشرق، ولا بأي مخلص”.

كتب موران في السينما والثقافة البصرية في كتابيه “السينما أو الإنسان الخيالي” و”النجوم”، حيث درس حضور الصورة والخيال والنجومية وأثر السينما في الثقافة الحديثة. وفي ستينيات القرن الماضي، وسع اهتمامه إلى الثقافة الشعبية، فتناول في كتابه “روح العصر” الصحافة والإعلانات والاستهلاك والنجوم، بوصفها عناصر أساسية في تكوين الثقافة المعاصرة. وحضر موران في مجال التربية عبر كتاب “المعارف السبعة الضرورية لتربية المستقبل”، الذي تناول فيه قضايا الخطأ والوهم في المعرفة، والشرط الإنساني، وهوية الأرض، والتعامل مع اللايقين، وفهم الآخر، والأخلاق الإنسانية. وفي كتبه السياسية والحضارية، ومنها “أرض ـ وطن”، انشغل بالعولمة ومصير الإنسان في ما سماه “العصر الكوكبي”، وبالأزمات البيئية والحروب وصعود الهويات المغلقة، مع احتفاظ كتابته بقربها من القارئ العام.

وفي الشأن الفلسطيني، عرف موران بمواقفه المنتقدة للاحتلال الإسرائيلي والاستيطان وحصار غزة. وكتب عن فلسطين من موقعه كيهودي فرنسي ومقاوم سابق للنازية، رافضا الخلط بين نقد إسرائيل ومعاداة اليهود، ومعتبرا أن مأساة الفلسطينيين لا يمكن فصلها عن تاريخ الطرد عام 1948، واللجوء، والاحتلال، والسياسات الإسرائيلية اللاحقة.

ولد إدغار ناحوم، وهو الابن الوحيد لوالديه، في 8 يوليوز 1921 في باريس، لأسرة يهودية من أصول سالونيكية يونانية هاجرت إلى العاصمة الفرنسية باريس، وكان والداه يملكان متجرا للأقمشة. وقد ظل موت والدته عندما كان في العاشرة من عمره يطارده طوال حياته.

في عام 1941 انضم إلى الحزب الشيوعي ودخل صفوف المقاومة الفرنسية تحت الاسم المستعار “موران”، وبحصيلة أكاديمية اكتسبها خلال سنوات الحرب العالمية الثانية شملت إجازات في التاريخ والجغرافيا والقانون، نشر أول كتبه “السنة صفر لألمانيا” (L’An zéro de l’Allemagne) عام 1946. ثم عمل في الصحافة، والتحق بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) عام 1950، حيث شغل منصب مدير أبحاث بين عامي 1970 و1993، قبل أن يمنح صفة المدير الفخري.

أحدث صدى واسعا عام 1959 بنشره كتاب “النقد الذاتي” (Autocritique)، الذي روى فيه قصة طرده من الحزب الشيوعي الفرنسي، بعدما كان أحد كوادره، وكشف أيضا عن أوجه العمى التي وقع فيها تجاه الستالينية، وفي تلك الفترة كان كذلك أحد مؤسسي لجنة المثقفين المناهضين لحرب الجزائر. وفي عام 1969 اتسع نطاق تأثيره مع كتاب “شائعة أورليان” (La Rumeur d’Orléans)، الذي تناول ظاهرة معاداة السامية في فرنسا.

وباعتباره من رواد “سوسيولوجيا الحاضر” (sociologie du présent)، اتجه إلى دراسة ظواهر لم تكن تحظى باهتمام علم الاجتماع التقليدي، مثل السينما، والتكنولوجيات الجديدة، والرياضة، وتحولات الأرياف الفرنسية، وتطلعات الشباب، وغيرها.

كان موران، المؤرخ والفيلسوف والعالم في آن واحد، يحاول كسر الحدود الفاصلة بين التخصصات. وفي الجزء الخامس من عمله المرجعي الكبير “المنهج”، المؤلف من ستة أجزاء، كتب: “كلما ازداد ما نعرفه عن الإنسان، قل ما نفهمه. إن الانقسامات بين التخصصات تفتته، وتفرغه من الحياة واللحم والتعقيد، بل إن بعض العلوم التي يفترض أنها إنسانية تفرغ حتى مفهوم الإنسان نفسه”.

حصل موران على الدكتوراه الفخرية من 38 جامعة أجنبية، وكتب نحو أربعين مؤلفا ترجمت على نطاق واسع. وحتى عام 2024 كان لا يزال ينشر الكتب، إذ أصدر أربعة كتب جديدة في ذلك العام، كما واصل كتابة المقالات والافتتاحيات الصحافية.

من بين مؤلفاته، سيرة عائلية بعنوان “فيدال وأهله” (Vidal et les siens) نشرت عام 1989، استعاد فيها الاسم الأول لوالده، ونصا مؤثرا عن زوجته التي توفيت عام 2008 بعنوان “إدفيج، التي لا تفارَق” (Edwige, l’inséparable).  وإدراكا منه المبكر لأهمية القضايا البيئية، نشر عام 1992 كتاب “الأرض – الوطن” (Terre-Patrie)، ثم أصدر عام 2007 “السنة الأولى للعصر البيئي” (L’an I de l’ère écologique)، وهو حوار مع نيكولا هولو.

كان إدغار موران في صلب قضية أثارت جدلا واسعا: فقد شارك عام 2002 في كتابة مقال جاء فيه أن “اليهود الذين كانوا ضحايا نظام لا يرحم يفرضون نظامهم الذي لا يرحم على الفلسطينيين”، فلاحقته جمعيتان قضائيا بتهمة معاداة السامية، لكنه كسب القضية أمام محكمة النقض.

وفي عام 2012 ناقش مع الرئيس الفرنسي المستقبلي فرانسوا هولاند “سبل الخروج من أزمة الحضارة”، وهو الحوار الذي تحول لاحقا إلى كتاب.

وكتب في صحيفة “لوموند” عام 2024: “إن تقدم المعارف أفضى إلى تراجع الفكر”، داعيا إلى “مقاومة الفكر” (résistance de l’esprit) في مواجهة “الاستعباد والفظائع والأكاذيب”.

ولسنوات طويلة كان من الممكن رؤية هذا الأب لابنتين وهو يتبضع ببساطة في وسط باريس، مرتديا قبعة بحار مثبتة على رأسه وابتسامة تعلو وجهه، قبل أن ينتقل، في سن السابعة والتسعين، إلى مدينة مونبلييه في إقليم هيرو، سعيدا بـ”الخروج إلى الشمس” و”الدردشة مع الجيران” (لوموند، 2019).

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

دور نشرات السينما في ترسيخ الثقافة السينمائية وتطوير أدوات النقد

يخلص الكتاب إلى ضرورة الاعتراف بالدور الريادي للنشرات السينمائية المتخصصة في تشكيل الوعي النقدي مؤكدا …