كيف يمكن أن تتحول الهوية المغربية (تامغرابيت) إلى صورة وحكاية وصوت على الشاشة (سينما وتلفزيون وإعلام)؟…
من يملك حق رواية هذه الهوية المخرج الذي يصنع أفلامه من داخل المغرب أم المخرج الذي يحمل مغربه في ذاكرته وتجربته من بلاد المهجر؟…
السينما هي إنتاج الصور لا مجرد وسيلة لتسجيل الواقع فالصورة والصوت يمكنهما نقل الذاكرة الجمعية كما الخاصة وفتح الحوار الثقافي بين الشعوب…
نبض القاعات 07: هشام الورديغي
ذكرنا، تنبيها، العاهل المغربي بمعرض خطابه في افتتاح البرلمان المغربي لسنة 2026، بواجب الاعتزاز بالهوية الوطنية: “إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي”، هذا الاعتزاز الأساسي في كل ما “هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني”.
انطلاقا من هذا التركيز والتذكير الملكي السامي، على الاعتزاز بالانتماء الهوياتي/الوطني، وقفت متسائلا عن مدى انعكاسه/ أثرِه على السياسة الثقافية عامة والسينمائية خاصة في تدبير الشأن السياسي المغربي. فكيف يمكن أن تتحول الهوية المغربية (تامغرابيت) إلى صورة وحكاية وصوت على الشاشة (سينما وتلفزيون وإعلام)؟ ومن يملك حق رواية هذه الهوية، المخرج الذي يصنع أفلامه من داخل المغرب، أم المخرج الذي يحمل مغربه في ذاكرته وتجربته من بلاد المهجر؟ (انطلاقا من وضع آلية الدولة المغربية في دعم الأفلام، بغض النظر عن ازدواجية جنسية مخرجيها، أو أجنبية جنسية كتاب سيناريوهاتها).

الاعتزاز بتامغرابيت: من الشعار إلى الصورة السينمائية
لا تبد الهوية في السينما المغربية بطاقة تعريف ثابتة أو مجموعة علامات جاهزة، بل مساحة تتفاعل فيها الذاكرة واللغة والمكان والتاريخ، وتتشابك فيها التجربة الفردية مع التحولات الاجتماعية. ومن ثم، فإن المقارنة بين مخرجي الداخل ومخرجي الجالية المغربية المنتشرة بكل أنحاء المعمور، لا ينبغي أن تتحول إلى مفاضلة بين “أصيل” و”بعيد”، أو بين مغربي كامل وآخر منقوص الانتماء. الأجدى أن نقرأها بوصفها اختلافا في زاوية الرؤية من موقع إنتاج الصورة، ضمن سؤال مشترك: كيف يرى المغاربة أنفسهم، وكيف يريدون أن يروا؟
بنظري، يحمل الاعتزاز بالمغربية معنى عاما، لكنه لا يفرض صورة واحدة للمغرب. فالمجتمع المغربي متعدد اللغات والجهات والذاكرات، وتتجاور فيه العربية الفصحى والدارجة والأمازيغية، إلى جانب الفرنسية والإسبانية وغيرها من اللغات التي تنتمي إلى تجارب الناس اليومية والتاريخية. لذلك لا تختزل الهوية السينمائية في لغة واحدة، أو لهجة واحدة أو نمط اجتماعي واحد.
إن حضور اللهجات المغربية في الإنتاج السمعي البصري (سينما، وتلفزيون وإعلام) يمكن أن يعيد الاعتبار إلى أصوات ظلت، في أزمنة مختلفة، تعامل بوصفها أقل مكانة من اللغات الرسمية أو “النخبوية”، فالدارجة واللهجات الجهوية، مثل المراكشية والدكالية والفاسية والحسانية وتامازيغت وتاريفيت وتشلحيت، ليست مجرد أدوات للحوار، إنها تحمل ذاكرة المكان وطبقاته الاجتماعية، وتمنح الشخصيات طرائقها الخاصة في التعبير عن الفرح والفكاهة والغضب والحنين والاحتجاج، ثم أن ظهور الأمازيغية على الشاشة يتيح لها أن تكون لغة للكرامة والتاريخ والجمال، لا مجرد علامة (ا) فولكلورية. غير أن هذا الاعتراف يظل متفاوتا، إذ لا تحظ كل اللهجات والجِهات، بالقدر نفسه من الظهور والقبول في الإعلام الرسمي عموما، والسينما والتلفزة خاصة.
من هنا، يمكن فهم عبارة الاعتزاز بالمغربية، لا بوصفها دعوة إلى تثبيت صورة موحدة، بل باعتبارها مدخلا للاعتراف بتعدد مكونات الانتماء. فالمغربية في الفيلم لا تتجل فقط في موضوع القصة، بل فيمن يتكلم، وبأي لغة (اللغة الأم أولا)، ومن يحتل مركز الصورة، ومن يبقى خارجها.

عين الداخل: تفاصيل المغرب وأسئلته
من المفروض في مخرجي وكتاب السيناريو بالداخل الاحتكاك اليومي/ المعيشي بالأماكن والعلاقات والتحولات التي يصوغونها كأفكار ومشاهد ومحكيات، فالمدينة والقرية، البيت والشارع، المركز والهامش، ليست بالنسبة إليهم فضاءات مجردة، بل هي عوالم معيشة تتصل بتجاربهم وملاحظاتهم الخاصة. نجد أثر ذلك بسينمانا، ولا سيما في أفلام مرحلة التسعينيات، اشتغل جل صناعها على صور العيش الهامشي الهش، والاختناق الاجتماعي البيروقراطي التقليداني، وعلى التوتر بين واقع سياسي خانق وتطلع الشخصيات إلى حياة أكثر حرية.
تجاوزت هذه المعالجة (آنذاك، وانطلاقا من رقابة قبلية ذاتية) وصف العادات أو نقل المشكلات الاجتماعية إلى الشاشة، فطريقة تأطير المكان وحركة الشخصيات والضوء والصوت يمكن أن تجعل من الفضاء نفسه عنصرا في الحكاية: جِدارا أو مكتبا يحد من الحركة، شارعا أو زقاقا ضيقا يفتح احتمالا، أو بيتا يكشف علاقات القوة والصمت. بهذا المعنى، لا تظهر الهوية المغربية في سينما التسعينيات بوصفها شعارا، بل تجربة (انطلاقا من عين شخصية) يعيشها الأفراد داخل علاقات اجتماعية ملموسة.
قوة هذه النظرة تكمن في قدرتها على الإصغاء إلى التناقضات الداخلية للمجتمع (بصيغة المفرد)، بما فيها التفاوت بين الأجيال، ووضعية المرأة، والصراع بين الرغبة في التغيير وثقل الأعراف، لكنها تظل عينا شاهدة على القهر والتخلف أكثر منها مرافِعة بنقد اجتماعي بواسطة معالجة سينمائية معمقة تكشف القيود، وفي الوقت نفسه تترك للشخصيات إنسانيتها وتعقيداتها وقدراتها على الفعل وردة الفِعل.

عين المهجر/المهاجر: الذاكرة ومسافة الزمكان في صراع الصورة
أما مخرجو الجالية المغربية بالخارج (وفيهم الجيل الثاني والثالث)، فيستندون غالبا إلى مواقع مزدوجة: صلة وجدانية وثقافية بالمغرب، وتجربة معيشة في مجتمعات أخرى، وقد تجعلهم هذه المسافة أكثر حساسية تجاه سؤال الصورة: كيف يمثل المغربي في الخارج؟ وكيف يختلف ذلك عن الصورة التي يحملها عن نفسه؟ في ذلك، (قد) تدفع الهِجرة الفنان إلى إعادة فحص الهوية وإعادة بنائها، وإلى مساءلة الصور النمطية التي تنتجها نظرة الآخر (الغربي/ النامي). كما تبرز فيه فكرة أن المبدع لا ينبغي أن يظل موضوعا لصورة يصنعها غيره عنه، بل يستطيع أن يصبح منتجا لصوته ورِوايتِه، ولو عن بعد من أرض الوطن الأم (على اختلاف الأطروحات ثقافيا، ِوالخلاف الهوياتي لغويا).
في حين، لا تمنح المسافة الجغرافية، بصفة تلقائية، رؤية أصدق أو أشمل، فقد يتحول المغرب في بعض الأعمال إلى وطن مستعاد عبر الذاكرة، أو إلى رمز للانتماء والغياب، أو إلى خلفية لحكاية الاندماج والاقتلاع، وفي نماذج أخرى، أكثر استِلابا، إلى نشر الغسيل الوسخ، كما قد تتيح هذه النظرة قراءة المقارنة بين مجتمعين متباعدين، لكنها قد تقع أيضا في تبسيط/تبخيس هاجس الاعتزاز بالمغرب أو تجميده في صورة الماضي، كما قد تستجيب، عن قصد أو من دونه، لتوقعات جمهور خارجي (أو قِوى رأسمالية) يريد حكاية قابلة للتصنيف، أو صورة استشراقية / كولونيالية بأيادي مغاربة الشتات (نوع من الرجم بأيدي أبناء الجِلدة).
هذا لا يصحح قِياس صِدق الانتماء بقرب المخرج والسيناريست الجغرافي من المغرب، فالمغربية ليست امتيازا يمنحه العيش داخل الحدود، كما أن تجربة المهجر ليست ضمانا لعمق فني أو تمثيل دبلوماسي (غالبا ما يكون ضمان تمويل سخي هنا وهناك)، ما يهم هو طبيعة الاشتغال على التجربة: هل يفسح الفيلم المجال لتعدد الأصوات الهوياتية؟ هل يفكك الصورة النمطية/الجاهزة أم يعيد إنتاجها؟ وهل يقدم شخصياته بوصفها ذواتا كاملة (دراميا)، لا مجرد شواهِد على “الاختلاف” الجسدي أو الفكري أو المرجعي، أو “الغربة” كامتياز مادي أو منفى قسري؟ (وما أكثر النماذج الهجينة، منذ قبيل جائحة كوفيد).

“السينما” ليست مرآة مجتمع صامتة
“السينما” هي إنتاج الصور، لا مجرد وسيلة لتسجيل الواقع، فالصورة والصوت يمكنهما نقل الذاكرة الجمعية كما الخاصة، وفتح الحوار الثقافي بين الشعوب، كما يمكنهما إعادة تشكيل يعد مرئيا أو مشهودا في المجتمع في حلل درامية، أو كوميدية، أو وثائقية بغية بلورة ثقافة بصرية محلية تحكي لِسان حال المجتمع.
تسلسلا، تصبح عملية الإبداع السينمائي مشاركة في صناعة المعنى: من يروي الحكاية؟ من يختار اللغة؟ من يظهر في مركز الكادر؟ ومن يملك سلطة تفسير ما يرى ويسرد؟ ومن المفيد هنا التمييز بين أن يعرِض الفيلم عناصر من التراث، وأن يجعل التراث مادة حية قابلة للتأويل الفيلمي. فالموروث لا يستمد قيمته السينمائية من ظهوره كقطعة محفوظة، بل من دخوله في علاقة بالحاضِر وأسئلة الجمهور في مناخ ثقافي مشترك مجتمعيا. ثم إن اختلاف رؤى المخرجين (هنا وهناك) تجاه مادة ثقافية مشتركة ما، لا ينفي وحدة الانتماء، بل يكشف على أن الإرث الواحِد يمكن أن يقرأ ويحكى بطرائِق متعددة، وِفق التجارب والتكوينات والمواقع المختلفة لكل مبدِع (ة) حسب قناعاته (ا).
هذا، لا يحول اختزال الهوية إلى صورة ثابتة. فالتصور السينمائي الذي يحصِر جماعة كاملة في ملامِح محددة، قد يحول السينما إلى أداة تصنيف اصطِلاحي بدل أن يجعلها مجالا للفهم، الأنسب في نظري، هو أن ننظر إلى الهوية باعتبارها شبكة علاقات وذاكرات وتفاعلات، تتغير من فيلم إلى آخر، ومن جيل إلى جيل ومن بر إلى ضِفاف أخرى.
على هذا الأساس، برأيي، لا تكون تامغرابيت نقيضا للكونِية، ولا يكون الانفتاح على تجارب أخرى تخليا عن الخصوصية؛ بل يمكن للتجربة المحلية، حين تروى بصِدق وفن وابتكار، أن تدخل حوارا حضاريا أوسع وأرقى بين جوقة الأمم، دون أن تفقِد نبرتها الخاصة.
نحو صناعة سينمائية مغربية لهوية تعددية
إن التوتر بين رؤية الداخل ورؤية الجالية هناك، ليس عيبا ينبغي محوه، بل فرصة لتوسيع مجال أفق الرؤية. فمخرجو الداخل يضيفون معرفة التفاصيل اليومية وإيقاع المكان (المفروض)، ومخرجو المهجر يضيفون خِبرة المسافة والاقتلاع والتفاوض مع صور الآخر (المرجو)، وليس بين الطرفين حد فاصل دائم (عدا العمالة الكولونيالية والاستلاب الإقصائي)، فقد تتقاطع الخِبرات وتتغير المواقع، وتظل التجارب الفردية البناءة أوسع من التصنيفات (دائما من منطلق الاعتزاز بتامغرابيت، وإلا فلا وألف لا!).
هذا التعدد، لا ولن يتحقق بمجرد تنويع اللهجات، أو نقل الكاميرا إلى جهة/وجهة جديدة، بل إنه يحتاج إلى عدالة في التمثيلية، تتيح حضور اللغات والجِهات والفِئات التي ظلت على هامش الصورة/الإنتاج، وإلى أشكال فنية لا تكتفي بتزيين الهوية (فلكلورية، وكولونيالية كانت أم إشهارية)، بل تختبر تناقضاتِها وأسئلتِها (سردا، وتصورا وإبداعا). كما يقتضي النظر إلى الجمهور (وطنيا ودوليا) لا بوصفِه كتلة واحدة: فالمشاهد يعيش الفيلم من موقعه، وتجربته، وشبكة إدراكه ومعارفه؛ وقد يقرأ في العمل الواحد، معانِي مختلفة إلى درجة النبذ، عن تلك التي قصدها صانعوه، لذلك لا تكتمِل هوية فيلم ما في لحظة إنتاجه وحدها، بل تتجدد كذلك في طرق تلقيه ونِقاشه.
عودة لبدأ الخصوصية
على ضوء خطاب الاعتزاز بتامغربيت، يمكن القول: إن السينما لا تثبت الانتماء الوطني بتكرار عبارات الفخر، وإنما تمنحه حياة فنية حين توسع معنى “نحن”، وتسمح للذاكرات المتعددة بأن تروي نفسها، وبالتالي، فمغربية السينما ليست صورة واحدة يصنعها الداخِل، ولا حنينا واحدا يصوغه الخارِج، بل، إنها حوار بين الزمكان والذاكرة، بين اللهجة واللغة وبين التجربة المحلية وأسئلة العالم، وكلما اتسع هذا الحوار، ازدادت السينما المغربية قدرة على أن تعتز بمغربيتها من غير أن تختزِلها، وأن تنفتِح على الآخر من غير أن تتنازل عن حقها في رواية ذواتها.
فلنجعل من مأثور الملك محمد السادس: “إن الاعتزاز بالوطن هنا، ليس من أجل التباهي، والتعبير عن الرضى عن النفس، بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني”، شعارا لإنتاجنا السينمائي الوطني/الداخلي في الخماسية الحكومية المقبلة.
إفادة:
1) تفادينا، عمدا،من عدم ذكر أمثلة أفلام لتجنب التطويل والإحراج.
2) هذا المقال هو رأيي بخصوص تفعيل مبدأ التفاضل بين الأفلام المغربية في مرحلة التسبيق على المداخيل، فيما هو إنتاج مغربي داخلي محض بميزانية هشة، وما هو إنتاج مشترك دولي بميزانية معتبرة.
كذلك فيما يخص مسابقة “المهرجان الوطني للفيلم”، فلا تجوز مقارنة الإنتاج الوطني الداخلي مع نظيره المتمتع بميزانية (وعلاقات)شركاء أجانب إضافية تتجاوز غالبا رقم كلفة الإنتاج المحلي/الداخلي لأكثر من الضعف، وتمكنه من ترويج دولي لا يحظى به المنتج الوطني/الداخلي.
-توصية: أرجو خلق جائزة “المهاجِر” بـ”المهرجان الوطني للفيلم” للعمل المغربي المنتج بشراكة أجنبية (طويلا، قصيرا أو وثائقيا كان)، وذلك لعدم وجوب المقارنة بالإنتاج المغربي 100%، لوجود فارق كلفة الإنتاج أساسا.
* من خطاب جلالته إلى أعضاء البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، برسم سنة 2026.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.