قطاع السينما أمام الحكومة الجديدة: فرصة للتحرر من الوصاية أم إعادة ترتيب للتبعية؟

لا ينبغي التعامل مع السينما بوصفها نشاطا احتفاليا/فرجويا أو ملفا إداريا ينحصر في الرخص والدعم والمهرجانات..السينما هي أولا إبداع وتألق المقاولة الصناعية وتكريس التكوين الأساسي والمستمر وترسيخ حماية العاملين مهنيا واجتماعيا، وتوسيع وسائط الوصول إلى الجمهور…

ما أرحب به من حيث المبدأ ليس إلغاء التواصل العمومي حكوميا فهو ضرورة لخدمة المواطن وضمان حقه في المعرفة والحصول على المعلومة وإنما تجاوز التصور الذي يجعل الحكومة وصية على التعبير…

لا يكفي أن نعرف من هي الوزارة التي سيستقر داخلها تدبير ملف “السينما الوطنية“.. الأهم أن نعرف الفلسفة الحكومية التي ستدبر به…

نبض القاعات 08: هشام الودغيري

تقاس الأمور أولا بظواهرها، ثم يبحث في بواطنها، وظاهر المرحلة الحكومية الجديدة يحمل ما يستحق الترحيب ظاهريا، لكنه يفتح أيضا أسئلة لا يجوز أن يطويها الاحتفاء بالأسماء المكرسة وتوزيع الحقائب بارتياح الغالب في الأقلية الناخبة.

في اعتباري وصول امرأة إلى قمة المسؤولية التنفيذية، لأول مرة في تاريخ المغرب الحديث، هو مكسب ذو دلالة سياسية ورمزية خاصة بين جوقة الأمم، غير أن قيمة هذا المكسب، في تقديري، لن تكتمل إلا بما سينتجه من سياسات عمومية وممارسات تشريعية وميدانية، لا بما يتيحه من صور احتفالية و”بوز” وسائطي/ إعلامي فقط.

من موقعي الإعلامي، يلفتني غياب “التواصل” عن مسميات الحقائب الوزارية في التشكيلة المعلنة، أرى في ذلك تغييرا يستحق الانتباه (لا وجود لحقيبة “التواصل” بجل أعرق الديمقراطيات)، لكنني لا أخلط بين اختفاء كلمة من عنوان وزارة وبين انتهاء الاختصاصات التي كانت تمارس باسمها.

إن ما أرحب به، من حيث المبدأ، ليس إلغاء التواصل العمومي حكوميا، فهو ضرورة لخدمة المواطن وضمان حقه في المعرفة والحصول على المعلومة، وإنما تجاوز التصور الذي يجعل الحكومة وصية على التعبير، أو يمنحها موقعا ملتبسا بين تدبير المعلومة والتأثير في وعلى منتجيها (جل الصحفيين بالمغرب هم أجراء، بصفة الدعم العمومي، عند الحكومة)، أو بأن تتولى هندسة المجال الذي يناقشها وينتقدها.

ومن موقعي السينمائي، يقودني هذا التحول (أتمناه أن يكون مفصليا، سياسة وهندسة) إلى سؤال أكثر تحديدا: أين تقع السينما والإنتاج السينمائي الوطني في أجندة السيدة رئيسة الحكومة؟ هل نحن أمام فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والقطاع، أم أمام إعادة توزيع إداري لن تغير شيئا في جوهر التبعية/الوصاية؟

من تغيير الحقائب إلى تغيير المنطق

الحكومة الجديدة ولدت في خضم مشكلات اقتصادية تتعلق بالوضع الحالي دوليا (مثلا، أزمة البترول)، كما لها إرث حافل بالفرص الضائعة مثلا (المصالحة الاجتماعية والقضاء على الريع الاقتصادي..)، ما يحثها على ضرورة مباشرة منعطف جذري تنموي يجمع بين الطموح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، مع إعطاء مكانة للمبادرة المقاولاتية الصغيرة والمتوسطة، والاستثمار في الابتكار والبحث العلمي وتأهيل الشباب معرفيا وحرفيا. أقرأ في هذه التوجهات مدخلا لمساءلة موقع “الصناعة السينمائية” داخل المشروع التنموي المنشود من طرف عاهل البلاد: “مواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية” (1).

إن التصور الذي أدافع عنه هو التالي: لا ينبغي التعامل مع السينما بوصفها نشاطا احتفاليا/فرجويا، أو ملفا إداريا ينحصر في الرخص والدعم والمهرجانات…السينما هي أولا إبداع، وتألق المقاولة الصناعية، وتكريس التكوين الأساسي والمستمر، وترسيخ حماية العاملين مهنيا واجتماعيا، وتوسيع وسائط الوصول إلى الجمهور… ولهذا لا يكفي أن نعرف من هي الوزارة التي سيستقر داخلها تدبير ملف “السينما الوطنية”؛ الأهم أن نعرف الفلسفة الحكومية التي ستدبر به.

وأتحفظ هنا على بعض القافزين معلقي كواليس الليل والنفاق، الجازمين بتقزيم قطاع السينما إلى مديرية في غياب حقيبة التواصل، لكن تحفظي هذا على الاستنتاج المرتجل لا يلغي مشروعية التخوف: هل ستعامل الحكومة الجديدة ملف “السينما الوطنية” باعتبارها قطاعا استراتيجيا، أم باعتبارها اختصاصا متبقيا يبحث عن مكان ما في التنظيم الإداري لوزارة الثقافة؟ علما بكون المجلس الإداري للمركز السينمائي المغربي هو برئاسة رئيس (ة) الحكومة (2).

الصناعة لا تصنع بالتسمية

بعد صدور قانون بنسعيد (18.23)غرقت شركات الإنتاج السينمائي في متاهة قانونية (كان بنسعيد هو أول من خرق قانونه في مادته 80، حيث إلى غاية يومنا هذا، وفي عهد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، لم يعين “ثالثة (3) أعضاء مستقلين”، بالتالي، وقانونا، لم يسبق أن تألف مجلس إدارة المركز، ولو تم انعقاده مرتين) من قبيل توليف ملاءمة وضعية الشركات على ضوء القانون الجديد، الشيء الذي ضيع الاجتهاد المهني والتنظيمي في موضوع “شروط الصناعة السينمائية”.

تلك المسألة تمس جوهر الرفع من مهارة السينمائيين ومن قيمة أعمالهم، فالانكباب على “شروط الصناعة السينمائية”، بالتمييز بين امتلاك الصنعة وتكريس منظومة إنتاج مستدامة، وبإتاحة وضوح القواعد وسهولة المساطر، مع تحفيز وضمان ولوج الاستثمار الخاص وتنمية موارد الدعم العمومي الاستراتيجي.كل ذلك في تشاركية تشاورية بناءة، تضمن تكافؤ الفرص واستمرار خلق ساعات العمل، غايتها وصول الأفلام إلى جمهورها.

الأمر هذا، يجعل مراجعة وتعديل القانون (18.23) مطلوبا الآن وهنا، ووجب تحديد مواضع الخلل فيه، والتمييز بين ما يستلزم تعديلا تشريعيا وما يمكن إصلاحه تنظيميا أو تدبيريا به، لذلك أدعو إلى تقييم مهني معلن (دون كولسة، وشخصنة وحسابات براغماتية ذاتية ماضوية)، مبني على وقائع اختلالات التطبيق، يجيب عن أسئلة مباشرة: أي مساطر تعرقل العمل؟ وأي شروط لا تتناسب مع واقع المهنة؟ وأين تتداخل الاختصاصات؟ وما أثر القواعد الجديدة على المنتجين والتقنيين والموزعين وأصحاب القاعات؟

أما الاكتفاء بالتأييد/التطبيل عند الإعداد، ثم بالاعتراض العام (كولسة) عند التطبيق، فذاك لا يصنع إصلاحا، المسؤولية المهنية تقتضي مواقف معللة وجهارا، ومقترحات واضحة وعملية مكتوبة دون أبجديات فضفاضة (لغة التشريع مباشرة ودقيقة، حرف الواو، مثلا، بها فيصلي وليس عطفا).

لا إصلاح بتمثيل مغلق

في المقابل، لا أرى أن التنظيم المهني، بمجرد اتخاذه اسم جمعية أو فيدرالية، يكتسب حق احتكار الكلام باسم القطاع. مشروعية التمثيل ينبغي أن تقوم على الشفافية، والتعدد، وتجديد مسؤوليات الأشخاص الذاتيين، وإشراك مختلف المهن والأجيال والجهات الحكومية وغير الحكومية.

لهذا، أفضل نقل النقاش من الحكم على النيات إلى اختبار/ مساءلة الممارسة: كيف تصاغ المطالب؟ ومن يشارك فيها؟ وهل تنشر المذكرات والتعديلات المقترحة؟ وهل يفصل بين المصلحة الجماعية والمصالح التجارية / النفعية لأصحاب القبعات المتعددة الأزليين؟

إن تغيير القانون، إذا لم يصاحبه تغيير في طريقة “إنتاج القرار المهني”، سيعيد لا محالة الاختلال نفسه بعبارات جديدة وقبعات متقادمة. هذا، والقطاع الذي يطالب بالحكامة من الدولة ينبغي أن يقبلها داخل تنظيماته أيضا (كم من جمعية/غرفة مهنية تتوفر على وصل قانوني حديث لآخر جمع عام لها؟).

المركز السينمائي: استقلال مسؤول لا وصاية جديدة

أرى اليوم، مع التعديل الحكومي الذي حجب حقيبة “التواصل” بشجاعة سياسية، أن الفرصة الحقيقية تكمن في إعادة هندسة”المركز السينمائي المغربي” بوصفه مؤسسة عمومية ذات استقلال تدبيري ومالي فعلي، وشريكا محوريا للمهنة، وأداة لتنفيذ استراتيجية حكومية وطنية (تظل لغاية اليوم مبهمة ومطاطية، قابلة بشكل معيب لمزاجية المحكم L’arbitraire d’humeur personnel)، أما المقتضى المتعلق برئاسة رئيس (ة) الحكومة لمجلس إدارته، الذي يستند إليه النص الأصلي (2)، فينبغي الرفع من رتبته بأجندة رئاسة الحكومة، بتثبيت وتنقيح صيغته النافذة قبل اقتباسه حرفيا.

برأيي الخبير، أدعو تبني الفكرة التالية: أن تتحمل رئاسة الحكومة مسؤولية التنسيق الاستراتيجي والتحكيم التنفيذي والالتزام التمويلي لقطاع السينما، دون أن تتحول إلى جهة تتدخل في اختياراته الفنية أو في تدبيره اليومي.

ليس المقصود استبدال وصاية قطاعية بأعلى، بل فصل بين مستويات المسؤولية: الحكومة تحدد الالتزامات الكبرى وتضمن التنسيق بين مختلف المتدخلين العموميين والمتعاونين الأجانب؛ والمؤسسة (المركز) تدبر بكفاءة ميدانية ملموسة وطنيا (قبل الإشعاع بين جوقة الأمم) وبشفافية تشاركية وتواصلية مع المهنيين الأكفاء؛ أما المهنيون،فيشاركون وفق قواعد تمثيلية ديمقراطية عادلة وبتشريف للصناعة (بكافة مهنها) فنا وإنتاجا (كيف لفاشل فنيا، أو صائد للريع المالي أن يمثل بأخلاق وشرف المهنة)؛ والجميع يخضع للمحاسبة.

يمكن ترجمة ذلك عبر برنامج إصلاح محدد: تقييم مستقل للقانون ومساطر تطبيقه، وتشاور مفتوح لا يقتصر على التنظيمات الأكثر حضورا، وعقد أهداف متعددة السنوات للمركز، مع وضع معايير معلنة ومنشورة للدعم بكافة فروعه (دفتر تحملات، وميثاق شرف وقانون داخلي)، وآجال عملية وواضحة للبت في الملفات، مع ضمانات تشريعية وإدارية لمنع تضارب المصالح والالتزام بواجب التحفظ (إداريا ومهنيا).

خلاصة

إن المرحلة لا تحتاج إلى تصفية حسابات، وتكتلات شخصانية، ولا إلى احتفاء صوري يستبق النتائج، إنها تحتاج إلى جرأة مؤسساتية تحول تغيير التشكيلة الحكومية إلى تغيير في طريقة العملبالمركز السينمائي المغربي وفقا لمنطوق القانون: “يظلالمركز السينمائي المغربي.. مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي..” (3).

وعليه، فإن السؤال الذي أوجهه إلى رئيسة الحكومة الآن: من سيتولى ملف السينما بديوانك؟ بل: أي مكانة ستمنحها حكومتك للسينما، وأي استقلال ستضمنه للمؤسسة التي تدبرها؟ فكفانا من إملاءات الدواوين المزاجية L’arbitraire التي برهن واقع الحال على زيغها عن جادة الصواب.

تلك، برأيي، هي المسافة بين إعادة ترتيب التبعية / الوصاية وبناء سياسة سينمائية وطنية شعارها “تامغرابيت”، أيضا، هي المسافة بين أن نعلن امتلاك “صناعة سينمائية”، وأن نوفر لها أولا شروط الوجود.

  • مراجع:
  • من خطاب جلالته إلى أعضاء البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، برسم سنة 2026.
  • “يتألف مجلس إدارة المركز تحت رئاسة رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية المفوضة من لدنه لهذا الغرض”، المادة الخامسة 5 من القانون رقم 70.17 الواردة بالمادة 76 من القانون 23.
  • المادة 76 من القانون 18.23.

 

 

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

مهرجان تطوان يغني برنامجه بدعم الكتابة والتفكير والتعاون السينمائي المتوسطي

الدورة الـ31 تقدم “محترفات تطوان” وندوتين فكريتين وبرنامجا للتعاون مع مهرجان ماتيرا… يستفيد أصحاب المشاريع …