التلفزيون العمومي: اختلالات التدبير وأسئلة الدراما والسينما في المغرب

لا تقاس المؤسسة العمومية بمنطق الربح وحده فهي مطالبة بخدمة الجمهور وصون التعدد اللغوي والثقافي وضمان حضور المحتوى الهوياتي الوطني لكن صفة الخدمة العمومية لا تعفيها من التخطيط والشفافية وحسن تدبير المال العام وتقييم أثر الإنفاق…

في معطيات 2025 الواردة في “مشروع قانون المالية لسنة 2027” بلغ رقم معاملات الشركة 672 مليون درهم مقابل 439 مليون درهم سنة 2024 بينما سجلت نتيجة صافية سلبية قدرها 131 مليون درهم…

المطلوب محاسبة حكومية من أعلى مستوى لا محاسبة تحليلية كتفصيل/إجراء إداري بل بغية صون وترشيد المال العام وعلى منح المهنيين بالقطاع من منتجين وكتاب ومخرجين وممثلين وتقنيين قواعد تعامل أوضح وأكثر استقرارا لضمان استمرارية السوق والرقي به…

السؤال الأهم هو ما مدى قدرة التلفزيون العمومي على تحويل موارده إلى إنتاج جيد وعلى بناء رؤية تواصلية/جماهيرية محينة تجعل الدراما المغربية رافعة ثقافية واقتصادية لا مجرد مواد لملء/حشو شبكة البرامج…

الجواب لا يبدأ بشعار جديد بل بمحاسبة واضحة وخطة إنتاج معلنة ومنافسة منصفة وتقييم مهني وحكومي واستثمار يترك أثرا في الكفاءات البشرية والصناعة المنتجة للقيمة الوطنية المضافة…

نبض القاعات 09: هشام الودغيري

حال “الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة” يعود بي لنظرية أينشتاين حول فكرة أن الزمن ليس قيمة ثابتة مطلقة، وإنما هو أمر نسبي يمكن أن يتباطأ في ظروف محددة بالمقارنة مع شخص آخر يراقب من موقعه. وهذا التباطؤ يعود بالأساس إلى سببين أساسيين، أولهما السرعة الفائقة كما تطرحها النسبية الخاصة، ومضمون ذلك أن الجسم كلما اقترب في حركته من سرعة الضوء، كان مرور الزمن عليه أبطأ مما يمر على إنسان لا يتحرك.

تبدو معضلة الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، كأنها محكومة بمفارقتين: زمن يتباطأ كلما تسارعت الحركة، ومؤسسة تبتعد عن منطق الاستثمار المقاولاتي (ولو عمومي). ولعل ربط إشكاليتها البنيوية بنظرية ألبرت أينشتاين، سيلتقط إحساسا مهنيا عاما بأن الزمن داخلها لا يجري بإيقاع التحولات التي يعرفها الجمهور في زمن الأنترنت ولا الصناعة السمعية البصرية هناك، لكنه يظل مجازا لا تفسيرا علميا؛ والسؤال الأهم، ليس سرعة المؤسسة، بل قدرتها على تحويل مواردها إلى إنتاج جيد، وعلى بناء رؤية تواصلية/جماهيرية محينة تجعل الدراما المغربية رافعة ثقافية واقتصادية، لا مجرد مواد لملء/حشو شبكة البرامج.

تتطلب مناقشة هذا السؤال التمييز بين ما تثبته التقارير الحكومية (1) وما يستنتجه مقالي. فتقرير المجلس الأعلى للحسابات عن تدبير الشركة، المنشور ضمن التقرير السنوي لسنة 2018، يوثق اختلالات في الحكامة والميزانية والإنتاج خلال سنوات محددة، بينما يعرض “مشروع قانون المالية لسنة 2027: تقرير حول المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية” أرقاما تخص حصيلة سنة 2025 وتوقعات سنة 2026.

من مهمة الخدمة العمومية إلى سؤال النجاعة

طبعا، لا تقاس المؤسسة العمومية بمنطق الربح وحده؛ فهي مطالبة بخدمة الجمهور، وصون التعدد اللغوي والثقافي، وضمان حضور المحتوى الهوياتي الوطني، لكن صفة الخدمة العمومية لا تعفيها من التخطيط، والشفافية، وحسن تدبير المال العام، وتقييم أثر الإنفاق، بل إن اتساع مهمتها يجعل هذه المبادئ أكثر ضرورة، لأن الموارد العمومية ينبغي أن تقترن بأهداف قابلة للفحص القبلي والمواكب والبعدي، وبنتائج يمكن تفسيرها للجمهور (دافع الضرائب).

في هذا السياق، سجل تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2018 “غياب وثيقة استراتيجية” رسمية تحول توجهات الشركة إلى أهداف وخطط عمل، وعدم تجديد عقد البرنامج مع الدولة بعد سنة 2012، فضلا عن محدودية النقاش الاستراتيجي داخل مجلس الإدارة وفق ما رصده التقرير. كما أشار إلى ضعف البرمجة الميزانياتية متعددة السنوات، وإلى غياب المحاسبة التحليلية التي تسمح بتحديد كلفة البرامج والشبكات بدقة. وهذه ملاحظات مؤرخة ينبغي قراءتها بوصفها تشخيصا للفترة التي تناولها التقرير، لا حكما تلقائيا على الوضع الراهن (ربما يكون الوضع أفظع).

وتزداد أهمية هذه الإشارات المرجعية (مصادر حكومية منشورة) حين ننظر إلى علاقة التدبير بالإنتاج داخل “ش.و.إ. ت – SNRT”. فإذا تعذر معرفة كلفة إنتاج مسلسل أو حلقة أو برنامجٍ ما، أو تقييم الأثر الثقافي والجماهيري للخدمة العمومية للشركة، تصبح المفاضلة بين المشاريع أقل وضوحا، ويصعب على المؤسسة أن تعرف أين تستثمر، وما الذي ينبغي تطويره، وما الذي لا يبرر تكراره. هنا المطلوب محاسبة حكومية من أعلى مستوى، ليست محاسبة تحليلية كتفصيل/إجراء إداري؛ بل بغية صون وترشيد المال العام، وعلى منح المهنيين بالقطاع، من منتجين وكتاب ومخرجين وممثلين وتقنيين، قواعد تعامل أوضح وأكثر استقرارا، لضمان استمرارية السوق والرقي به.

حين تتحول الميزانية إلى عنق زجاجة خانق للإبداع

في معطيات 2025 الواردة في “مشروع قانون المالية لسنة 2027″، بلغ رقم معاملات الشركة 672 مليون درهم، مقابل 439 مليون درهم سنة 2024، بينما سجلت نتيجة صافية سلبية قدرها 131 مليون درهم. كما بلغت الاستثمارات المنجزة 197 مليون درهم، مقابل 283 مليون درهم في السنة السابقة. أيضا، تشير المعطيات لمداخيل رسوم بلغت 427.79 مليون درهم (رسم النهوض بالفضاء السمعي البصري الوطني)، منها 155.5 مليون درهم مرتبطة بتحصيل متأخرات عن الفترة 2022 إلى 2024. أما توقعات اختتام سنة 2026 فتشير إلى رقم معاملات قدره 624 مليون درهم، ونتيجة صافية سلبية قدرها 463 مليون درهم؛ وهي توقعات وليست حصيلة نهائية.

هذه الأرقام لا تكفي وحدها لإصدار حكم شامل على تدبير الشركة، لكنها تطرح أسئلة مشروعة: ما مقدار الموارد التي تذهب إلى تطوير أدوات الإنتاج، وما مقدار ما يمتصه التسيير الإداري؟ ما حصة الدراما من الاستثمار الفعلي؟ وهل تقاس البرامج بكلفة إنتاجها وحدها، أم أيضا بمدى جودتها، وتنوعها، وقدرتها على الوصول إلى الجمهور المغربي، وإتاحة حقوق استغلالها لاحقا؟

هذا، بناء على ذكر تقرير “وزارة المالية” بأن الاستثمارات المنجزة تراجعت في 2025 مقارنة بالسنة السابقة، فذلك يلفت الانتباه بإلحاح إلى الحاجة لربط كل اعتماد مالي مستقبلي بخطة إنتاج واضحة المعالم ومؤطرة ب”وثيقة استراتيجية” (مطلب “المجلس الأعلى للحسابات” سنة 2018)، لا إلى افتراض أن تراجع الاستثمار انعكس آليا على الدراما التلفزية أو السينما الوطنية. لكن استمرار العجز البنيوي لدى الشركة (زائد بلع عجز قناة ميدي1 والقناة الثانية)، مع الاعتماد الكبير والقار على موارد عمومية أو رسوم مخصصة، يجعل مطلب الشفافية والمردودية الثقافية أكثر إلحاحا الآن وهنا، لا أقل.

ما الذي كشفه تقرير المجلس الأعلى للحسابات عن الإنتاج؟

تقرير 2018 قدم صورة دقيقة عن مشكلات تمس دورة الإنتاج التلفزيوني: سياسة الإنتاج والبرمجة لم تكن، بحسب التقرير، مصاغة ومصادقا عليها في شكل استراتيجية عامة؛ كما رصد غياب نظام تنقيط موزون لتقييم العروض الفنية في بعض طلبات العروض، وغياب لجنة مستقلة لمعاينة جودة البرامج المسلمة، وتجاوزات في تقدير كلفة بعض المشاريع. كما سجل التقرير تركيزا مفضوحا في إسناد المشاريع إلى عدد محدود من شركات الإنتاج خلال الفترة التي فحصها، وتراكما لبرامج غير مبثوثة، من بينها أعمال بأرقام خيالية (وحال الشركة سنة 2026 لم يبرح من وضعية 2018، بل ربما زاد الطين بلة).

أيضا، يورد التقرير أن قيمة مخزون البرامج غير المبثوثة بلغت 62.79 مليون درهم في نهاية 2016، وأن الأعمال خيالية الكلفة شكلت 18.22 مليون درهم من ذلك المخزون. كما أشار إلى أن سبع شركات من أصل 63 استحوذت على أكثر من نصف قيمة المشاريع المصادق عليها خلال الفترة 2013 إلى 2016. هذه أرقام تاريخية مرتبطة بالفترة التي درسها المجلس، لكنها تطرح سؤالا مستمرا عن التوازن بين المنافسة، وتكافؤ الفرص، وجودة الاختيار، والقدرة على بث ما تم إنتاجه فعلا، في ظل تكريس الوضع السابق لغاية يومنا هذا.

من هنا وجب الآن وهنا، وفي ظل الحكومة الحالية، والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية (تطبيقا للتوجيهات الملكية السامية) التي من بين أولوياتها “بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي، موازاة مع تسريع تنزيل الإصلاحات” 2، فإن وجوب تسطير معايير انتقاء معلنة ومنشورة، وإرساء منهجية تقييم فني قابلةٍ للتعليل، وإرساء آلية مراقبة خارجية/مستقلة واضحة الهيكلة للجودة؛ ذلك ما يمكنه أن يفتح الباب أمام منافسة شريفة وموسعة، مع ضمان تنوع أكبر في الأصوات الإبداعية والأساليب الإخراجية/الإنتاجية.

من الدراما التلفزيونية إلى السينما: علاقة ممكنة لا تلقائية

التلفزيون هو دعامة جد قوية للإنتاج السينمائي، لكن لا ينبغي الخلط بين دعم الدراما التلفزيونية وتطوير السينما، فلكل منهما شروطه الإنتاجية والتوزيعية والقانونية، ولا يثبت التقرير أن اختلالات الشركة أدت مباشرة إلى تعثر السينما المغربية (التقرير تقنوقراطي يفتقد لجانب النقد الفني الضروري للميدان). لكن الصلة بين المجالين وطيدة ومتكاملة: فاستقرار الطلب على الكتابة والتمثيل والتصوير والمونتاج، وتراكم الخبرة التقنية، وتوسيع فرص العمل أمام شركات الإنتاج، كلها قد تهيئ بيئة أكثر قدرة على إنجاز أعمال سينمائية؛ بشرط أن توجد شراكات واستراتيجيات واضحة المعالم والرؤى، وألا يتحول هذا الربط إلى مجرد فرض مسطري لدفتر تحملات متقادم يعود لسنة 2005 (“دعم وتطوير القطاع العمومي للاتصال السمعي البصري ومده بمقومات الجودة والمنافسة للقيام بمهام المرفق العام – تحفيز وتشجيع الاستثمار الخاص في هذا القطاع وخلق اتصال سمعي بصري وطني منتج”)3؛ وحتى “دفتر تحملات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة” الصادر سنة 2006 لم يعد يساير التطور الإنتاجي والفني محليا وإقليميا، فمن غير المعقول أن يعهد للشركة نفسها قياس نسبة المشاهدة – المادة 9، كذلك من المحبط والمفرمل لشركات الإنتاج الخاصة العاملة بالإنتاج السينمائي، الوقوف منذ 2006، أي منذ عشرين 20 سنة خلت، على رقم 20 شريطا طويلا، ومثله في القصير (“المادة 15 :المساهمة في الإنتاج السينمائي الوطني. تساهم الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في إنتاج الأعمال السينمائية المغربية الأصل. وتساهم سنويا في الإنتاج المشترك بالتمويل أو بالصناعة أو من خلال اقتناء حقوق البث في الإنتاج الأصلي (20) لعشرين فيلما مطولا و (20) لعشرين فيلما قصيرا، كحد أدنى”.)، وكل ما يعتري العملية من خروقات مسطرية وقانونية، تضاف على المحسوبية وإيلاء الأمر لموظفين خارج التغطية سينمائيا وثقافيا.

من هنا تبرز أهمية بناء جسور مؤسساتية بين التلفزيون الوطني والسينما الوطنية: تطوير الكتابة والسيناريو، الاستثمار في تكوين الأجيال الجديدة، دعم المختبرات والورشات، توسيع فرص التوزيع والإشهار والمواكبة (من غير المنطقي والحكماتي عدم نقل حفل جوائز “المهرجان الوطني للفيلم”، في حين يتم نقل جميع فعاليات “المهرجان الدولي للفيلم بمراكش”)، وحماية حقوق المؤلف والاستغلال. كما يمكن للشركة، بحكم حضورها العمومي ومنصاتها المتعددة، أن تسهم في التعريف بالأفلام المغربية وإتاحتها لجمهور أوسع، من دون أن تحل محل المؤسسات والآليات المخصصة للقطاع السينمائي. كذلك، فإن أي تعاون مشترك، ينبغي أن يحترم اختصاصات المركز السينمائي المغربي وأطره القانونية، وهو أمر تطرق إليه تقرير “المجلس الأعلى للحسابات” في سياق ملاحظاته بشأن بعض وثائق التصوير والإنتاج.

إن المطلوب اليوم، ليس أن تتحول الشركة إلى مقاولة خاصة تسعى إلى الربح بأي ثمن (ظاهر الحال منذ تاريخ تقرير “المجلس الأعلى للحسابات” سنة 2018 على الأقل)، ولا أن تظل مؤسسة محصنة من أسئلة النجاعة بحجة “رسالتها العمومية”، وهي في الباطن غير ذلك بالمرة. المطلوب، الآن وهنا، أنموذج يجمع بين خدمة الجمهور والانضباط المقاولاتي: وضوح في الرؤية، وميزانيات قابلة للتتبع، ومعايير مكتوبة ومنشورة تكون عادلة في الانتقاء والمفاضلة، وتقييم يوازن بين الكلفة والقيمة الفنية والاجتماعية، وخطة لتدبير الحقوق وإعادة استثمار المحتوى.

دروس مقاولاتية في مؤسسة عمومية

أستحضر هنا مجموعة من الأفكار/المبادئ قدمها مولاي حفيظ العلمي أخيرا (الوزير السابق ورجل الأعمال المعروف) في حديثه عن المقاولة 5، حيث لخص الأمر في عشر قواعد: 1- فكر كبيرا وابدأ صغيرا، 2- الجرأة المدروسة والنزاهة، 3- بيع المقاولة ليس خيانة، 4- القرب من الزبائن، 5- تخطيط الخلافة وانتقال القيادة، 6- قيمة الفريق والكفاءات، 7- مواجهة تحديات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، 8- تشجيع ثروة المقاولين بنزاهة، 9- التوسع الدولي والأسواق الناضجة، 10- تحمل المسؤولية والجرأة الإدارية. وبنظري، يمكن نقل هذه المبادئ إلى نقاش الشركة من دون اختزال الخدمة العمومية في منطق السوق و/أو الحساب الخاص بدون رقيب.

مثلا، فـ”القرب من الزبائن” في هذه الحالة هو الجمهور، لكن الجمهور ليس مجرد رقم مشاهدة؛ إنه مواطن له انتظارات ثقافية ولغوية ومجالية. كذلك ” الجرأة المدروسة والنزاهة “، فهي لا تعني المجازفة بأموال عمومية في مشاريع غير محكمة، بل اختبار صيغ جديدة بميزانيات مضبوطة، وقياس نتائجها قبل التوسع.

ذاك يدعو إلى التركيز على المهنة الأساسية (تلفزيونات العالم هي جهاز بث أساسا، والإنتاج يأتي في الصف الاستثماري البديل)، يعني ذلك إعطاء الأولوية للإنتاج الخارجي وبرمجته وتدبير حقوقه بآلية استراتيجية، بدل تشتيت الجهد بين توسع مؤسساتي لا تصاحبه آليات تنسيق فعالة (أكثر من ثلاثين مديرا، وغلو التدخلات والقرارات المزاجية المقرونة بالمصلحة الشخصية إلى درجة الديكتاتورية الليبرالية المتوحشة)، يعني هذا، العمل على بناء الاستمرارية برمجة وتطورا في الوسائط (كما وكيفا)، إذ المؤسسة لا ينبغي أن تعتمد على أشخاص بعينهم (حراس المعبد تحجروا جسدا وعقلا)، بل على إجراءات موثقة وواضحة، وكفاءات متخصصة تقنيا وفنيا، ومساءلة مؤسساتية (ربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية).

ويظل الإصلاح الأجدى، هو الذي يحدد مواضع الخلل بأدلة ملموسة، ويميز بين مسؤولية المؤسسة ومسؤولية منظومة الإشراف والتمويل، ثم يقترح قواعد قابلة للتنفيذ والمراقبة (القبيلة، والمواكبة والبعدية).

 

أرقام الجمهور فرصة للاستئناس، لا شهادة براءة

يعرض تقرير “مشروع قانون المالية لسنة 2027: تقرير حول المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية” مؤشرات حضور “معتبرة” لكنها تفتقد للمصداقية المهنية في غياب تقرير لمكتب خبرة محايد: متوسط مشاهدة التلفزيون بلغ ثلاث ساعات وثماني وأربعين دقيقة يوميا للفرد، منها 38 دقيقة لقنوات الشركة، فيما استقرت حصة قنواتها التلفزيونية عند نحو 16 في المئة، وبلغت حصة إذاعاتها قرابة 28 في المئة. كما سجلت قناة “الأولى” نحو 3.3 مليون مشترك على يوتيوب، وبلغت مشاهدات منصة “فرجة” 55 مليون مشاهدة خلال السنة، وفق التقرير نفسه.

هذه المؤشرات تبرهن جدلا على وجود جمهور وإمكانيات رقمية، لكنها لا تحسم وحدها في جودة المحتوى، أو عدالة توزيع فرص الإنتاج الخارجي، أو قدرة المنصات على تحويل المشاهدة إلى موارد مالية (لا وجود بالتقرير لرقم عائداتها الإشهارية Adsense) مستقلة ومستدامة. لذلك ينبغي أن يصبح “النجاح الرقمي” مدخلا لإعادة التفكير في دورة حياة العمل الدرامي (مثلا): من تطوير الفكرة والكتابة، إلى الإنتاج والبث، ثم الإتاحة الرقمية واستثمار الحقوق، مع قياس الأثر الثقافي لا الاكتفاء بعد المشاهدات.

إن “الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة” ليست مجرد ناقلٍ/باث للبرامج، بل فاعل قادر على التأثير إيجابيا في شكل الصناعة السمعية البصرية المغربية واتجاهاتها الاستثمارية والفنية. وبين مجاز الزمن المتباطئ (نظرية ألبير أينشتاين) وحقيقة الأرقام، يظل السؤال الجوهري: هل تستطيع المؤسسة أن تجعل الموارد العمومية تنتج قيمة فنية واجتماعية تتجاوز الشاشة، وأن تسهم في بناء منظومة تنتقل فيها الخبرة من الدراما التلفزيونية الوطنية إلى السينما الوطنية (والعكس صحيح)، دون خلط بين المجالين أو ادعاء علاقة سببية متنافرة؟

الجواب لا يبدأ بشعار جديد، بل بمحاسبة واضحة، وخطة إنتاج معلنة، ومنافسة منصفة، وتقييم مهني وحكومي، واستثمار يترك أثرا في الكفاءات البشرية والصناعة المنتجة للقيمة الوطنية المضافة. عندها فقط يصبح “تسارع الزمن” في نظرية أينشتاين علامة على تجدد حقيقي ومستديم، لا مجرد حركة سريعة (جعجعة ولا طحين) داخل مؤسسة لا تزال نتائجها تنتظر من يقيسها بخبرة مهنية محايدة ويسأل عنها داخل دائرة القرار.

  • مراجع:
  • تقرير “الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة: حوكمة وإدارة إنتاج البرامج التلفزيونية”، الصادر سنة 2018 عن “المجلس الأعلى للحسابات” في 188 صفحة.
  • تقرير “مشروع قانون المالية لسنة 2027: تقرير حول المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية”، الصادر عن وزارة المالية في 181 صفحة، انظر للصفحة 113 و147 و151 و158.
  • تقرير “مشروع قانون المالية لسنة 2027: تقرير حول المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية”، الصادر عن وزارة المالية، في الصفحة 13.
  • “قانون رقم 77-03 يتعلق بالاتصال السمعي البصري”، الصفحة 2، وهو صادر في 7 يناير 2005.
  • “دفتر تحملات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة”، الصفحة8 و11، الصادر في 4 يناير 2006.
  • قدم رجل الأعمال والوزير السابق مولاي حفيظ العلمي عشرا من القواعد والمبادئ الأساسية للنجاح في عالم المقاولات والأعمال، وذلك خلال مشاركته في منتدى “مقاولون في حركة” الذي نظمه “الاتحاد العام لمقاولات المغرب – CGEM” في 17 أكتوبر 2026 بالدار البيضاء.

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

تأجيل مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى عام 2027

جاء  القرار حسب المنظمين عقب مراجعة شاملة ومستفيضة لعدد من الاعتبارات الدقيقة المتعلقة بالتوقيت الأمثل …