المركز السينمائي المغربي يزكي رسميا خطابات إشهارية تروج لشركات إنتاج خاصة…
فعل غير مهني بالمرة وفاقد لكل أبجديات العمليات التواصلية المؤسساتية خاصة من جهة مجانبته لمبدأ التزام الإدارة بالحياد في التعبير عن رأيها في كذا شخص أو كذا مؤسسة أو شركة…
هشام الودغيري
للتذكير، مهنيا في علم الإعلام والتواصل (Corporate Communication)، تقول القاعدة: “الخبر مقدس والتعليق حر“.
أما في باب “التواصل العمومي”، فالأمر يرتكز على مجموعة من القيم المعتمدة في المرافق العمومية، أساسها الخدمة العمومية المقرونة بالشفافية، والنزاهة، والمساءلة ومشاركة الأطراف المعنية (بما فيها الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العمومي، والمنظمات غير الحكومية في إطار الديمقراطية التشاركية دستوريا).
في هذا الباب الأخير، تعمل المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية على توفير معلومات دقيقة وشفافة لعموم المرتفقين عامة، وللمهنيين والإعلاميين خاصة، دون إبداء رأي قبلي ولا بعدي عليها.
ما طالعتنا به مؤسسة المركز السينمائي المغربي في بحر الأسبوع المنصرم، بخصوص حملة إخبارية بصفحتيها الرسميتين بـ”أنستغرام” و”فايسبوك”، حيث بتت معلومات في شكل بطائق حول تعريفات / بروفايلات الشركات المختارة من طرف “المركز” لتمثيل المغرب بفعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته 76 المقيلة (FOCUS MAROC – EFM – BERLINALE 2026)، حيث ستكون المملكة المغربية هي الدولة الشرفية في سوق الفيلم الأوروبي (EFM)، الذي سيعقد في الفترة من 12 إلى 18 فبراير 2026.
هذا الأمر، هو فعل غير مهني بالمرة، وفاقد لكل أبجديات العمليات التواصلية المؤسساتية، خاصة من جهة مجانبته لمبدأ التزام الإدارة بالحياد في التعبير عن رأيها في كذا شخص أو كذا مؤسسة أو شركة (عامة كانت أو خاصة). فما بال المسؤولين من هول الفعل، والإدارة الحكومية تزكي رسميا خطابات إشهارية تروج لشركات إنتاج سمعي بصري خاصة؟

هذا، وبالاطلاع على بلاغ “المركز” بخصوص العملية المذكورة أعلاه (انظر الصور المرفقة)، والصادر بـ2 ثاني ديسمبر 2025، يتبين التالي:
– غياب النسخة العربية للبلاغ، وهو أمر مخالف للفصل الخامس من الدستور (عطب مزمن لدى “المركز”)؛
– غياب أسماء الساهرين على عملية اختيار المشاريع المختارة، إذ اقتصر البلاغ على ذكر فقط مكون “لجنة اختيار-un comité de sélection”، دون ذكر مكونتاها البشرية لمعرفة تعريفاتهم / بروفايلاتهم ثم استنتاج مصداقية ونزاهة عمل هذه اللجنة من عدمهما؛
– ديباجة البلاغ بتعبير “المنتجون الذين عدت مناهجهم الفنية ورؤيتهم الإنتاجية واعدة بشكل خاص -des producteurs et productrices dont les démarches artistiques et la vision de production ont été jugées particulièrement prometteuses”، به حيف وتمييز صارخ لفئة معينة ما عن باقي مكونات الصناعة السينمائية المغربية، إضافة لنعتها ب”واعدة -prometteuses” فهو لتبخيس مضمر لباقي حملة مشاريع الانتاج الأخرين الذين لا يشر إليهم البلاغ إياه ولا حتى لعددهم؛
– الإفصاح جهارا في البلاغ على: “اختارت لجنة الاختيار عشرة مشاريع تستوفي المتطلبات الفنية والسردية والمهنية لبرنامج FOCUS MAROC – EFM 2026″ دون ذكر تلك المتطلبات exigences المعيارية أو ذكر مرجعها، هو أمر يمكن وصفه بالغير مهني والغير منصف وبه حجْب مقصود لقاعدة تأسيس الاختيار، مما يضرب بحكامة العملية برمتها؛
– الملاحظة الجوهرية، هي كون هذه العملية كلية، هي فقط إهدار لمجهود الإدارة بشريا وماليا، كونها هي أصلا (عملية البحث عن منافذ التمويلات الانتاجية) قائمة عبر علاقات شخصية تعتمد لوبيات مهنية، كذلك مصداقية شركة الإنتاج، إضافة لتوجهات الطرف الشريك وطبعا رصدا للمنجزات السابقة للشركة حاملة المشروع ومدى تجاوبه مع السوق وقت جاهزيته (أي استباق توقعات السوق).
أما القول (دفاعا) بكون العملية هي إشهارية ل”وجهة المغرب” عبر ألية التحفيز الضريبي للإنتاجات الأجنبية ” Tax incentive, Cash Rebate 30%”، فذاك أمر آخر، والحديث فيه طويل نظرا للتجارب السابقة الفاشلة نسبيا والتي لم تقيم ليومنا هذا (الجارة الإسبانية تصل لخصم 40% عند التصوير الأجنبي بجزر الكناري، كما تحفز التصوير الوطني بقروض ضريبية TAX CREDITS FOR SPANISH PRODUCTIONS تصل ل45% عند التصوير بجزر الكناري)، وهو غير موضوعنا الآني.

من جانب آخر، وما زاد الطين بلة، هي منشورات صفحتي “المركز” (على محدودية متتبعيها) بخصوص العملية المذكورة أعلاه، حيت تمادت المنشورات في تسجيل الاصطفاف بغلو ديكتاتوري (إصرار وعوْد) في تمييز الشركات (ومالكوها، صورة ونصا) بتعليقات مجانبة للحياد (انظر الصور المرفقة)، مثلا:
بنعت شركة فلان بـ”ذات البعد الاجتماعي والسياسي القوي”،
وشركة علان بـ”توفر الدعم الحقيقي للمؤلفين”،
وشركة فلانة بـ”المسلسلات عالية الجودة”،
وغيرها من النعوت الإشهارية والخطابات الترويجية لشركات القطاع الخاص على وسائط تواصلية عمومية (دون الدخول في تقييم إنتاجات بعض هذه الشركات، التي لا ترْق (برأيي الخبير) للمهنية المطلوبة دوليا ولا إلى عكس طابع الهوية الثقافية وطنيا).
السؤال بصيغة التعدد:
كيف تم ذلك؟
ما موقف بقية شركاء “المركز”، من مؤسسات الخواص ومؤسسات الحكومة من هذا الشطط في استغلال التواصل العمومي؟
متى تفعل حكامة المرفق العمومي؟
أين هي الإستراتيجية التشاركية المسطرة من طرف “المركز” والوزارة الوصية بخصوص التمثيلية الدبلوماسية للقطاع في المحافل الدولية، التي من المفروض أن تدْخل فيها “عملية برلين 2026″؟
أم هي سفرية سياحية أخرى على حساب المال العام وبدون عائد قيمة مضافة يذكر؟
وفي حديث آخر:
لن أتقدم هنا بإبداء خبرة مهنية في الموضوع، بل سأقتصر على توجيه وتنبيه إدارة “المركز السينمائي المغربي” إلى الانضباط لمقررات ودوريات الحكومة، في إطار التضامن الحكومي (أو ليس برئيس الحكومة هو رئيس مجلس إدارة المركز؟!) والاصطفاف لاستراتيجيتها في باب “التواصل العمومي” التي تعم كافة إدارات المرافق الحكومية والشبه حكومية، حيث عملت الحكومة (مشكورة) على إصدار “دليل التواصل العمومي” بتاريخ 09/02/2021، تحت إشراف الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة (يمكن تحميله من موقع الوزارة).
هذا الدليل سطر، في معرض موضوعنا المتطرق إليه أعلاه، على مبدأ “الحياد والتجرد”، من حيث تأكيده على: “يجب على مسؤول التواصل العمومي، بصفته موظفًا حكوميا، أن يقوم بنشر المعلومات بطريقة موضوعية، دون أن يزكي أي اعتقاد أو رأي خاص. كما يجب أن يعامل جميع الفاعلين بالمرفق العام على قدم المساواة.” ص:21 من الدليل.
أخيرا،
لا تفوتني فرصة إبداء تمنياتي الصادقة لكافة البعثة المغربية للبرنيال 2026، مع حثهم (ن) (في غياب دفتر تحملات مسطر ومكتوب) على مضافرة الجهود وتنسيق جبهات التدخلات (سوق برلين بحر كبير مشتت الأطراف وبه زخم جارف وزحام خانق) من أجل تمثيلية مهنية ذات قيمة مضافة، مع تذكيرهم (ن) بوضع مصلحة الوطن أولا وأخيرا.
في انتظار بيان تقييمي للعملية، بواسطة تقرير أدبي ومالي يوثق حصيلة العملية، لاستنتاج الإيجابيات والسلبيات بغية تخطيط مستقبلي بناء لعمليات مماثلة. طبعا بواسطة طرف محايد لا غير.
أختم بقول المثل المغربي البليييييغ: “100 تخميمة وتخميمة ولا ضربة بمقص”.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.