هل تصنع المرأة سينما مختلفة لأنها امرأة؟ أم أن ما نسميه “سينما المرأة” ليس سوى اسم ننعت به أعمال خرجت من ظل الرجولة الطويل؟…
نبض القاعات 05 : هشام الودغيري
هل تصنع المرأة سينما مختلفة لأنها امرأة؟ أم أن ما نسميه “سينما المرأة” ليس سوى اسم ننعت به أعمال خرجت من ظل الرجولة الطويل، فيما ظل الرجل يقدم ذائقته الخاصة بوصفها معيارا عاما؟ السؤال لا يستقيم إذا اختزل في الجسد البيولوجي، ولا إذا أغلق بإجابة مريحة تقول إن الإبداع بلا جنس، ثم مضيت دون أن تنظر إلى الشروط التي أتاحت لبعض العيون أن ترى، وحرمت أخرى من حق النظر وصناعة الصورة.

من “سينما المرأة” إلى سؤال الإبداع والجندر
كنه عملية الإبداع لا تحدده جنس الأشخاص، مقابل أن الفنان لا يخلق خارج بيئته. فالمبدع تتكون رؤيته في مجتمع وجوبا، وتتشكل أفكاره عبر خبرات وذاكرة وعلاقات، كما تتأثر بما تتيحه المؤسسات من تمويل وفرص واعتراف، وبما تفرضه من معايير مناخية/موجاتية على الحكاية والصورة. لذلك لا يمكن احتساب الجنس البيولوجي وصفة جاهزة لأسلوب سينمائي، في حين لا يمكنفصله بالضرورة عن التجربة التي تنظر منها مخرجة ما إلى العالم، ولا بتره من تاريخ طويل عريض جعل المرأة موضوعا للصورة أكثر مما جعلها حاملة الكاميرا.
في المغرب، كما في مجتمعات كثيرة، دخلت المرأة مجال الصورة كمقلدة في مواجهة أعراف معيشية لم تكتف بتحديد ما يجوز رؤيته، بل رسمت أيضا حدود من يحق له أن يصور ويحكي. هذا، وقد سبق حضورها كفاعلة في الفن التشكيلي (مريم مزيان، 1930-2009) والفوتوغرافي ا(رحيمو الحوزي، توفيت سنة 2020) قبل حضورها في مواقع صناعة الصورة السينمائية وامتلاكها (فريدة بنليزيد أول مخرجة مغربية ازدادت سنة 1948). مع التذكير بأن المشهد السينمائي المغربي لم يكن فضاء محايدا ومنصفا لها بتوزيع فرصه الداعمة بالتساوي؛ فقد تشكلت مساهمتها داخل منظومة اجتماعية ومؤسساتية كان الرجل بها أوسع حضورا وأكبر حظوظا، فيما ظلت المرأة، وفي أحيان كثيرة، مادة للنظر وموضوعا للتمثيل.
هل يعني هذا أن المرأة تحمل في داخلها، بالفطرة، عينا فنية مختلفة؟ هنا ينبغي الحذر من قلب الصورة النمطية دون تفكيكها. فالقول إن النساء مبدعات بطبيعتهن لأنهن يطرزن ويحكن وينسجن الحكايات، أو لأنهن أقدر غريزيا على الرعاية والخلق، قد يبدو هذا إنصافا، لكنه يعيد حبسهن في جوهر بيولوجي آخر/نقيض. إن خبرات المنزل والعمل والرعاية، وما يتصل بها من تفاصيل ومشاعر وعلاقات، يمكن أن تغذي لغة فنية متميزة عن الرجل، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى موهبة نسائية عامة، كما لا تجعل الرجال، في المقابل، جافين أو أسرى الصراع والقوة مع الجنس الآخر. فما يصنع “الرؤية الفنية” ليس الجسد وحده، بل الجينات/الملكات الإبداعية، والتجربة وترسباتها والاختيارات الفنية التي تحولها إلى صورة.
من هنا تأتي أهمية التمييز بين هوية المبدع (ة) وطبيعة النظرة التي ينتجها العمل. فـ”النظرة الذكورية” لا تعني ببساطة أن من خلف الكاميرا رجل، كما أن “النظرة النسائية” ليست امتيازا مضمونا لكل امرأة مخرجة أو تدعي الإخراج. إنما السؤال هو: كيف ترى الشخصيات؟ هل تختزل المرأة في جسد مجزأ، أو إلى زينة تخدم مسار البطل(ة)؟ أم تظهر بوصفها ذاتا لها رغبتها وتجربتها وصوتها، قادرة على النظر ومساءلة من ينظر إليها؟ بهذا المعنى، لا يمكن تحديد جنس صاحب (ة)الكاميرا وحده معنى للصورة؛ فالتأطير، والمسافة، وزاوية النظر، والإيقاع، وطريقة الإصغاء إلى الشخصية، كلها تكشف طبيعة العلاقة التي يقيمها الفيلم مع من يصورهم ومع جمهوره.
“عيون جافة”: تصوير الجسد والرغبة بإنسانيته
من زاوية أخرى، ليس المطلوب أن نستبدل نظرة/رؤية بأخرى على طريقة تبادل المواقع/الحلول، كأن يتحول الرجل إلى حكواتي للفرجة بدلا من المرأة أو العكس (تقليد الجدة/شهرزاد الحكواتية ليلا، والجد/شهريار الناصح المرشد نهارا). الرهان الأعمق هو تفكيك علاقة الهيمنة السردية نفسها، وابتكار صورة سردية لا تصادر تجريب العقل المبدع ولا تحول الجسد إلى راو لسلعة بصرية (استهلاكية). قد تظهر الكاميرا المجردة من عين الرجل/المرأة جسدا دون أن تستحوذ عليه أو تمحوره غريزيا، وقد تقترب حسيا من الألم/الدراما المشهدية دون أن تستثمره في الإثارة المجانية/الكارطبوستالية، وقد تمنح المبدع حق النظر إلى الكاميرا كجسد لا جنس له، أي حق إعادة النظرة الإبداعية إلى المصور، بدل البقاء في موقع من تراقب ولا يملك أن يجيب (Le voyeurisme).
في تجربة نرجس النجار مغربيا، تتجلى قيمة هذا التحول في طريقة تصوير القرية الجبلية (في “عيون جافة” – إنتاج 2003): لا بوصفها خلفية لقساوة الطبيعة الجغرافية، بل جسدا/أجسادا يحمل آثارها. فالقرية النائية، والبيوتات المتناثرة، والمعيش اليومي الذي يطفو بين الصراعات القبلية الحقيرة، وفرضية الناموس العرفي الذي حول القرية لماخور لا يقبل إلا سلطة النساء ويطرد كل جنس ذكر خارج قلعة النساء ولو كان من صلبها.يتحول السرد إلى آثار وشواهد على طابو الرغبة الجسدية مقابل المال، فيما تستعيد صور حقول شقائق النعمان والحياة اليومية إمكانية النظر بجمال شاعري خيالي إلى ما تبقى من العلاقة البيولوجية بين رجل وامرأة وسط خراب القيم والجسد والبيئة. معالجة طابو الجسد والرغبة، لا يكمن هنا اختزاله في هوية المخرجة وحدها كـ”امراة”، بل في نظرة اعتبارواحترام أجساد الشخصيات، وفي الإيحاء بدلا من الاستعراض، وفي تحويل الرغبة إلى تجربة إنسانية لا إلى مشهد افتراس بصري غريزي ذكوريا.
يكشف لي مثال فيلم “عيون جافة” أيضا أن “النظرة النسائية” ليست قالبا واحدا موحدا، بل إنها احتمالات متعددة تتشكل بحسب التجربة والسياق والاختيار الجمالي، وقد يحمل العمل آثارها دون أن يعلن عن نفسه ببرنامج نظري مكتمل. فبعض المخرجات (في بلدان أخرى) بدأن من حدس شخصي أو من رغبة في تصوير ما يعرفنه ويعشنه (مثال أنييس فاردا Agnès Varda بفرنسا)، ثم أعادت القراءة النقدية والتجربة المتراكمة تسمية ما كان كامنا في أعمالهن. من هنا يمكن استنتاج التالي: لا يسبق الوعي الفعل دائما، أحيانا يتولد الوعي من ومع الاحتكاك بالصورة، ومن استقبال الجمهور لها، ومن النقد الذي يمجدها، أو يحاصرها أو قد يقلل من قيمتها.

النظرة النسائية: احتمالات جمالية متعددة
في باب آخر، لا يمكن فصل الإبداع عن مؤسسة النقد ومؤسسات المهرجانات، والتمويل، والتوزيع، والصحافة الفنية، فهي ليست قنوات محايدة بالمطلق، بل إنها تشارك في تصنيف الأفلام وتحديد ما يعد مركزيا وما يدفع إلى الهامش/التهميش. بالتالي قد يكفي أن يوضع فيلم في خانة خاصة بـ”سينما المرأة” كي يحتفى باختلافه، وفي الوقت نفسه يعزل عن دوائر الاعتراف المهنية والتجارية. كما أن وصف عمل ما بأنه “ذاتي” أو “حميمي” لا يكشف دائما عيبا فيه؛ فقد يكشف أيضا قصور معيارية نقدية اعتادت اعتبار التجارب الذكورية العامة هي وحدها القادرة على تمثيل “الإنسان/البشر”.
كما بجب الأخذ يعين الحسبان بكون الدفاع عن “إبداع النساء” لا يكون بإنكار الفروق التي صنعتها شروط الإقصاء الذكوري، ولا بتثبيتهن داخل خانة أبدية اسمها “الإبداع النسوي” قدرا، بفتح المجال لهن كي يصنعن أفلامهن، ويخترن موضوعاتهن وأشكالهن التعبيرية، ويملكن سلطة الحكاية وشروط إنتاجها وتداولها. فالمساواة لا تعني أن نطلب من المخرجة أن تخفي جوهر كينونتها الإبداعية كي تقبل، ولا أن نعامل كل ما تصنعه بوصفه تعبيرا عن جوهر نسائي ثابت. ذاك يعني وجوبرؤية عمل سينمائي من توقيع الرجل أو المرأة سيان بشكل مجرد كامل، وما علينا سوى أن نسائل عن قيمته الفنية، وعن علاقته بالعالم، وعن الظروف التي جعلت ظهوره ممكنا أو عسيرا وسط مناخ سوسيو اقتصادي Socioeconomic وثقافي معين.

نحو إتاحة المجال للإبداع دون حصره في خانة نسوية
أما القول إن المبدع الحقيقي يتجرد تماما من ميوله البيولوجية، ففيه طموح إلى عدالة نقديةأفلاطونية Platonique، لكنه قد يوحي أيضا بأن الطريق إلى الإبداع يمر عبر محو الذات الشخصية L’effacement de soi؛ والأدق عندي هوالقول: لا ينبغي أن يتحول جنس المبدع (ة) إلى حكم مسبق على عمله (ا)، ولا أن يصبح العمل دليلا آليا على جنس صاحبه (ته)، فالتجرد الكامل من الموقع الاجتماعي/الجنسي ليس شرطا للإبداع، ولربما لا يكون جائزا أصلا. بنظري، ما يمكن للفنان أن يفعله هو أن يعي موقعه، وأن يفحص أوراقه وما ورثه من صور وأحكام (تقليدا و/أو تطبيعا)، وأن يحول تجربته، أيا كان مصدرها أو باعثها، إلى شكل يوسع إمكانات الرؤية الإبداعية سينمائيا.
إذن، بالإمكان الإجابة تحصيلا عن السؤال: هل الجنس البيولوجي حاضر في سينمانا؟ بالتالي: ليس بوصفه مفتاحا سحريا يفسر الفيلم كعملية إبداعية، ولا بوصفه تفصيلا مشهديا لا أثر له عند المتلقي،فحضوره كمنتوج فرجوي، إن ظهر/عرض جماهيريا، يمر فرضا عبر دورة الحياة الثقافية لمجتمع ما، ويتخلل ذاكرته المشتركة ويدغدغ حدود ما تسمح نواميس مجتمعه/بيئته برؤيته. أما السينما التي تستحق اسمها، فلا تقاس بجنس من صنعها، بل بقدرتها على أن تجعلنا نرى/نكشف عما اعتدنا إغفاله وطمسه، وأن تنقل الذات البشرية من كونها صورة معروضة إلى ذات تنظر وتختار وتروي بكامل الحرية الإبداعية. عندها لا يعود السؤال: هل هذا إبداع امرأة أم رجل؟ بل: أي عالم تخلقه الصورة السينمائية، ومن يملك حق منع إنتاجها، والنظر فيها والتماهي معها؟ أو لم تقل أنييس فاردا: “إذا فتحنا الناس، سنجد مناظر طبيعية”.
*كتبت هذه المقالة أثناء متابعتي لفعاليات “المهرجان الدولي لفلم المرأة بسلا–FIFFS” في دورته 19 برسم سنة 2026.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.