باحثون مغاربة يناقشون مفهوم التجريب المسرحي في ندوة دولية بالقاهرة

التجريب المسرحي لا يقتصر على البحث عن أشكال وتقنيات جديدة وإنما يرتبط بإعادة التفكير في علاقة المسرح بالمكان والهوية والذاكرة والجمهور وبقدرة المسرح العربي على إنتاج تجاربه الخاصة انطلاقا من خصوصياته الثقافية والجمالية…

بيت الفن

ضمن فعاليات الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، انعقدت يوم الأحد سادس شتنبر 2026 ندوة حول “التجريب وآليات النظام الرأسمالي العالمي”، ناقشت علاقة التجريب المسرحي بالتحولات التي يفرضها النظام الرأسمالي، وتأثير الآليات الاقتصادية والسياسية المعاصرة على العملية الإبداعية والمشهد المسرحي.

تناولت هذه الندوة الفكرية سبل مقاومة التجريب المسرحي لهيمنة الرأسمال ومنطق السوق، وإشكالية تمويل الفنون وعلاقة الدولة والمؤسسات الاقتصادية بالإبداع، فضلا عن قدرة النظام الرأسمالي على استيعاب التجارب الفنية وتحويل بعضها إلى منتجات ثقافية.

في هذا السياق، أكد الباحث المغربي عز الدين بونيت أن التجريب المسرحي الحديث ارتبط تاريخيا بمحاولات تحرير الإبداع من سطوة النموذج التجاري وهيمنة الرأسمال، موضحا أن عددا من المسرحيين، منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لجؤوا إلى المختبرات والاستوديوهات بحثا عن صيغ جديدة في التعبير المسرحي.

وأوضح أن التجريب لم يكن مجرد بحث جمالي، وإنما شكل أيضا انتفاضة لتحرير العملية الإبداعية من القيود الجمالية والمؤسساتية والاقتصادية، وإعادة تعريف العلاقة بين المخرج والمؤلف والمتلقي والفضاء المسرحي.

كما شهدت فعاليات المهرجان يوم السبت خامس شتنبر 2026 تنظيم ندوتين فكريتين تناولت علاقة التجريب المسرحي بالخصوصيات الثقافية والهوية وذاكرة المكان والطقوس والفرجة، وذلك بمشاركة باحثين ونقاد ومسرحيين من عدد من الدول العربية، من بينهم الباحثان المغربيان عبد الواحد بن ياسر وسعيد كريمي.

تناولت الندوتان، المدرجتان ضمن البرنامج الفكري للمهرجان، أيضا، إشكالية انفتاح المسرح العربي على الحداثة والتجديد، ومدى قدرته على إنتاج أشكال ولغات مسرحية تنطلق من خصوصيات الأقاليم الثقافية والجمالية.

في هذا السياق، شارك الباحث المغربي عبد الواحد بن ياسر في جلسة حملت عنوان “التجريب المسرحي وعلاقته بالأقاليم الثقافية”، حيث تناول تدخله مفهوم “الإقليم الثقافي” باعتباره فضاء يتجاوز الحدود الجغرافية المحددة، ويرتبط بجغرافيات ثقافية تتقاطع فيها الرموز والطقوس واللغات والذاكرة والممارسات الاجتماعية.

وأوضح الناقد المغربي أن التجريب المسرحي استطاع في عدد من تجاربه التأقلم مع الخصوصيات الثقافية والطقوسية والفرجوية، من خلال إدماج الممارسات التقليدية المحلية واللغات والرموز الاجتماعية، فضلا عن توظيف الرقص والحكاية والموسيقى المحلية وإشراك الجمهور في صيرورة الفرجة.

واستحضر، في هذا الإطار، نماذج من الطقوس والفرجويات الممتدة عبر أكثر من جغرافيا، من بينها “الفودو” في هايتي، و”الزار” في الحبشة ومصر، و”كناوة” في المغرب، و”السطمبالي” في تونس، مبرزا أن هذه الأشكال تكشف عن تداخل المسرحي بالطقوسي والاحتفالي والاجتماعي.

في الندوة الثانية، التي حملت عنوان “التجريب المسرحي بوصفه أقاليم جمالية”، أبرز الباحث المغربي سعيد كريمي، في تدخل له، أن الأوراق المقدمة تلتقي في محاولة إعادة النظر في مفهوم التجريب وعلاقته بالإقليم الثقافي وبسؤال الأنا والآخر، موضحا أن الإقليمية الثقافية لا تختزل في مفهوم جغرافي، وإنما تتداخل فيها أبعاد ثقافية واجتماعية ولغوية وأنثروبولوجية، مع احتفاظ كل إقليم بخصوصيته.

واعتبر أن التجريب يمثل “مغامرة” فكرية وإبداعية تقوم على استبدال منطق النقل والاتباع بأفق مفتوح للإبداع، مؤكدا أن التجريب لا يعني استيراد نماذج جاهزة، وإنما ينطلق من الخصوصية المحلية ويؤسس لتجريب ذاتي قادر على إنتاج لغته الخاصة.

وشدد على ضرورة إعادة النظر في علاقة المسرح العربي بالمنجز الغربي، داعيا إلى الاستفادة من التجارب العالمية دون التعامل معها باعتبارها نماذج مكتملة، وإلى إعادة صياغة الحداثة داخل السياقات الثقافية المحلية.

ولفت إلى أن التجريب الحقيقي يقوم على “الاحتواء والتجاوز”، أي الاستفادة من المنجز الإنساني والانطلاق منه نحو آفاق جديدة، معتبرا أن الخصوصية الثقافية قادرة على أن تشكل منطلقا لإنتاج لغة مسرحية خاصة ومنفتحة في الوقت ذاته على الأفق الكوني.

وتتقاطع خلاصات الندوتين في التأكيد على أن التجريب المسرحي لا يقتصر على البحث عن أشكال وتقنيات جديدة، وإنما يرتبط بإعادة التفكير في علاقة المسرح بالمكان والهوية والذاكرة والجمهور، وبقدرة المسرح العربي على إنتاج تجاربه الخاصة انطلاقا من خصوصياته الثقافية والجمالية.

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان بطنجة

من خلال ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يؤكد مسرح رياض السلطان التزامه بدعم الحركية الثقافية بمدينة …