المخرجة المغربية ليلى مراكشي تعود إلى قسم “نظرة ما” بعد ما يقرب عقدين من الزمن…
تدور أحداث الفيلم حول حلم عاملات موسميات في حقول الفراولة بإقليم الأندلس يأملن في حياة أفضل لكن حلمهن يصطدم بواقع مرير…
بيت الفن
تم اختيار الفيلم المغربي La Más Dulce (الأكثر حلاوة) للمخرجة ليلى المراكشي، لتمثيل السينما المغربية والعربية ضمن الفعاليات الرسمية لمهرجان كان السينمائي لعام 2026، المقرر تنظيم دورته الـ79 خلال الفترة من 12 إلى 23 ماي المقبل.
ويشارك «الأكثر حلاوة» في مسابقة «نظرة ما» (Un Certain Regard)، أحد أهم أقسام المهرجان المخصصة للأصوات السينمائية المختلفة والتجارب الجريئة.
تدور أحداث الفيلم، الذي كتبته مراكشي ودلفين أغوت، حول حلم عاملات موسميات مغربيات في قطف “الفراولة” في حقول هويلفا بإقليم الأندلس، يأملن في حياة أفضل لعائلاتهن، لكن حلمهن يصطدم بواقع مرير: إساءة معاملة، ومضايقات، وظروف معيشية لا إنسانية.
تنطلق الحكاية من مدينة طنجة، حيث تعيش فاطمة، امرأة خرجت حديثا من السجن، تحمل ماضيا ثقيلا، وأملا هشا في أن تبدأ من جديد. لديها ابن في التاسعة من عمره، وتبحث عن فرصة تعيد من خلالها بناء حياتها.
تبدو الرحلة إلى إسبانيا، وكأنها باب مفتوح نحو الخلاص، لكن هذه الصورة سرعان ما تتشقق مع الوصول، الواقع لا يشبه الحلم، والوعود التي حملتها الرحلة تتلاشى أمام تفاصيل يومية قاسية.

داخل البيوت البلاستيكية الزراعية، حيث تزرع الفراولة التي تصل إلى المتاجر الأوروبية، تبدأ طبقة أخرى من الحكاية في الظهور. العمل شاق، الساعات طويلة، والظروف المعيشية قاسية إلى حد يلامس الإهانة.
الفيلم لا يقدم هذه المعاناة كخلفية فقط، بل يجعلها محورا سرديا، حيث تتحول تفاصيل العمل اليومي إلى عنصر درامي يكشف هشاشة الوضع الإنساني. هنا، لا توجد رفاهية الاختيار، فقط ضرورة الاستمرار. تجد النساء أنفسهن في بيئة لا يتحدثن لغتها، ولا يعرفن قوانينها، ولا يملكن أدوات الدفاع عن حقوقهن، ما يجعل العزلة مضاعفة: عزلة جغرافية، وثقافية، وقانونية.
وسط هذا الواقع، تلتقي فاطمة بثلاث نساء: أمينة، سعيدة، وخديجة. لكل واحدة قصتها، لكنهن يشتركن في شيء واحد: الحاجة.
تنشأ بينهن علاقة تتجاوز الصداقة، لتصبح نوعا من التضامن الإنساني. في مواجهة العمل القاسي والظروف المزرية والمضايقات اليومية، تتحول هذه العلاقة إلى وسيلة للبقاء.

الفيلم يرص هذه العلاقات بتفاصيل دقيقة، كاشفا كيف يمكن للهشاشة المشتركة أن تصنع قوة، وكيف يمكن للعزلة أن تخلق روابط غير متوقعة.
مع تصاعد الأحداث، يتطور الصراع من كونه داخليا إلى مواجهة مفتوحة مع الواقع. لم يعد الأمر متعلقا فقط بالتحمل، بل بالقدرة على قول الحقيقة.
يضع الفيلم شخصياته أمام خيار معقد: الاستمرار في الصمت لضمان البقاء، أو المجازفة بكل شيء – العمل، الاستقرار، وحتى العودة إلى الوطن – في سبيل كشف ما يتعرضن له.
هذه اللحظة تمثل ذروة درامية، لكنها أيضا لحظة أخلاقية، تكشف عمق الأسئلة التي يطرحها الفيلم حول الكرامة والعدالة.
في مقاربتها، تكشف ليلى المراكشي عن عالم خفي يقف خلف صناعة تبدو عادية. فإسبانيا تصدر مئات الآلاف من أطنان الفراولة سنويا، بعائدات تصل إلى مئات الملايين من الأوروهات، لكن خلف هذه الأرقام يوجد واقع آخر.
الفيلم يسلط الضوء على العمالة الموسمية، خصوصا النساء القادمات من شمال إفريقيا ودول أخرى، اللواتي يعملن في ظروف هشة، غالبا دون حماية قانونية كافية. وترى المراكشي أن هذا الواقع ليس مجرد خلل، بل نتيجة منظومة اقتصادية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات الربح مع التمييز الطبقي والعرقي، ما يجعل هذه الفئة من النساء “غير مرئية” رغم دورها الأساسي في الإنتاج.
تعتمد المخرجة على عناصر مستوحاة من أفلام النجاة والسجن، حيث تتحول البيوت البلاستيكية إلى فضاءات مغلقة، تفرض قيودا غير مرئية على الشخصيات. في هذه المساحات، لا تروى الحكاية فقط، بل تعاش. الكاميرا تقترب من التفاصيل، من الوجوه، من الإيماءات الصغيرة، لتبني إحساسا بالاختناق، يعكس الحالة النفسية للشخصيات.
يقود الفيلم طاقم نسائي يضم أسماء، مثل نسرين الراضي وهاجر كريكع وفاطمة عاطف وحنان بنموسى، حيث يقدمن أداء جماعيا يعكس تعدد التجارب داخل إطار واحد.
لا يركز الفيلم على بطلة واحدة، بل يبني شبكة من الشخصيات، لكل منها صوتها، وحكايتها، وزاوية نظرها الخاصة.
الفيلم من تأليف دلفين أغوت وليلى المراكشي، ومن إنتاج شركة Cinestésia، بإشراف المراكشي، ما يمنحه طابعا شخصيا واضحا، حيث تتقاطع الرؤية الفنية مع التجربة الواقعية.
وسبق للمخرجة ليلى مراكشي، المولودة في الدارالبيضاء، أن عرضت أول فيلم روائي طويل لها في قسم “نظرة ما” قبل ما يقارب العقدين، ويتعلق الأمر بفيلم “ماروك” (2005)، كما أضافت فيلما روائيا ثانيا بعنوان “روك القصبة” (2013)، وعملت في التلفزيون، وتحديدا في مسلسل “ذا إيدي” عام 2020.
أما فيلمها الروائي الثالث الذي طال انتظاره، فقد تم تقديمه في “ورشات أطلس” ضمن فعاليات مهرجان مراكش السينمائي الدولي، حيث حصلت على تمويل لمرحلة ما بعد الإنتاج أواخر العام الماضي.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.