كرامة الفنان بين مطرقة سماسرة تنفيذ الإنتاج وسندان الشهرة العابرة

الخلل يكمن في سماسرة تنفيذ الإنتاج.. الذين يسعون إلى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الميزانيات.. على حساب الطاقات الفنية…

الواقع أن الصورة أكثر قتامة مما يبدو.. فهناك من يجبر على الاشتغال بأجور رمزية..بل إن بعضهم يعمل دون مقابل يذكر..فقط للحصول على بطاقة الفنان..أو لضمان الانخراط في المكتب المغربي لحقوق المؤلفين..أو لتسهيل مساطر إدارية من قبيل طلب التأشيرة…

رشيد بوقسيم

حينما كنا ننتقد سلوك بعض المنتجين المنفذين، لم يكن ذلك من باب المزايدة أو التجني، بل عن دراية دقيقة بما يجري في كواليس تدبير أجور الفنانين. وما صرحت به الممثلة عيشة بولحوجات في الفيديو المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي يؤكد ما ظللنا ننبه إليه منذ سنوات، حين كشفت أنها لم تتقاض سوى 7000 درهم عن مشاركتها في مسلسل “تلاتيك”، الذي نفذت إنتاجه شركة “أغلال” لصالح القناة الأمازيغية، مضيفة أن عددا من الممثلين يتقاضون أجورا هزيلة لا توازي حجم الجهد المبذول.

والواقع أن الصورة أكثر قتامة مما يبدو؛ فهناك من يجبر على الاشتغال بأجور رمزية، بل إن بعضهم يعمل دون مقابل يذكر، فقط للحصول على بطاقة الفنان، أو لضمان الانخراط في المكتب المغربي لحقوق المؤلفين، أو لتسهيل مساطر إدارية من قبيل طلب التأشيرة. وهي ممارسات تسيء إلى كرامة الفنان وتفرغ العمل الفني من قيمته المهنية.

أكررها بوضوح: جودة الأعمال المغربية، في عمومها، لا ترتبط حصرا بالإمكانات المادية، فالدعم المالي موجود، والاعتمادات المرصودة للإنتاج ليست هزيلة كما يروج، غير أن الخلل يكمن في سماسرة تنفيذ الإنتاج، الذين يسعون إلى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الميزانيات، على حساب الطاقات الفنية، سواء كانت ذات تجربة راسخة أو في بداية مسارها المهني، وهو حق مشروع لكل فنان.

التلفزة المغربية، رغم كل الانتقادات، تقوم بدورها في توفير الاعتمادات، لكن هذه الموارد لا تنعكس إيجابا على الوضع الاجتماعي والمهني للفنانين، لأن بعض ما يسمى شركات الإنتاج لا يضيف قيمة حقيقية بقدر ما يستنزف الميزانيات المخصصة للأعمال الفنية.

المسؤولية هنا جماعية، فمؤسسة التلفزيون مطالبة بإرساء آليات مراقبة دقيقة وشفافة لتتبع مسارات صرف الميزانيات ومآلاتها، كما أن شركات تنفيذ الإنتاج مطالبة باحترام الفنان والتقني على حد سواء. ورغم أن التقنيين غالبا ما يتقاضون مستحقاتهم كاملة، فإن ظواهر مرضية بدأت تتضخم، من بينها كراء البطاقة المهنية، بما يحمله ذلك من اختلالات قانونية وأخلاقية.

أما النقابات، فلم تعد تؤدي أدوارها الترافعية كما ينبغي، والإعلام المتخصص فقد جزءا كبيرا من استقلاليته، بعدما أصبح بعض المحسوبين عليه يديرون شركات تنفيذ إنتاج أو يقدمون خدمات ترويجية لتلميع صورة مشاريع مفلسة فنيا.

الجمهور بدوره ليس معفيا من المسؤولية، حين يعزف عن بذل الحد الأدنى من الجهد النقدي للتمييز بين الجيد والرديء، والفنانون يعيشون هاجس البطالة والنسيان، فيما ينشغل البعض بعدد الإعجابات ومتابعة حسابات فنانين لا يشغلهم سوى البحث عن شهرة عابرة، والحال أن الشهرة لا تعني بالضرورة النجومية، ولا تصنع مسارا فنيا راسخا.

مهرجانات كثيرة باتت تلهث خلف من يملكون قدرة على جلب جمهور عابر، بدل أن تحتفي بالقيمة الفنية الحقيقية.

قلناها مرارا: المعركة مستمرة، وسنظل نردد أن إصلاح القطاع يمر عبر الشفافية، والمحاسبة، واحترام كرامة الفنان، ورد الاعتبار للعمل الفني باعتباره رسالة قبل أن يكون صفقة…

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

مستقبل السينما المغربية: رؤية سياسية غائبة ونص قانوني متهافت

هل ستكون للرقابة الجرأة في حذف مشهد قبلة عشيقين في فيلم ما، قد يتم عرضه …