ممثل قدير ترك فراغا يصعب ملؤه بالنظر لصعوبة وجود فنان من طينته يمكنه أن يحل مكانه…
بيت الفن
فقدت الساحة الفنية المغربية الممثل القدير إسماعيل أبو القناطر، الذي وافته المنية بالولايات المتحدة الأمريكية يومه الجمعة 20 فبراير 2026، عن عمر ناهز 78 سنة، وذلك بعد مرض عضال لم ينفع معه علاج.
وأفاد محمد أبو قناطر، أن شقيقه إسماعيل فارق الحياة بمنزله بالولايات المتحدة الأمريكية محاطا بأسرته، مؤكدا أنه سيتم تشييع جثمانه، يوم السبت، بالولايات المتحدة الأمريكية.
ونعى عدد من المخرجين السينمائيين الراحل، خصوصا الذين عمل معهم في أفلامهم.

مدرسة حقيقية في التشخيص
في هذا الصدد قال المخرج عبد الإله الجوهري، «غلبت على أمري، في مواجهة خسة وجبن الموت، تعبت من رثاء الأصدقاء والزملاء والأحباب الأوفياء، لم تعد الكلمات تسعفني في التعبير عن وداع الواحد تلو الآخر، طائر آخر من طيور الفن يغادرنا دون سابق انذار، تاركا بذلك غصة في القلب والروح…ها هو فنان من الزمن المغربي الجميل يصر على التحليق بعيدا، أياما قليلة بعد رحيل المخرج محمد عهد بنسودة، تاركا فراغا يصعب ملؤه بالنظر لصعوبة وجود فنان من طينته يمكنه أن يحتل مكانته.
إسماعيل الراحل عن دنيانا لم يكن، بضيف الجزوهري،، مجرد صديق وكفى، بل كان ممثلا يغريني بتتبع أخباره، ومشاهدة مشاركاته، والاستمتاع بأدواره الباذخة، إلى حد أنه فرض علي صاغرا أن اختاره قبل أربع سنوات للعب شخصية سي بنعمرو في فيلم “العبد”، لأنني كنت مقتنعا أن لا أحد بإمكانه أن يؤدي الدور أحسن منه.
أبو القناطر، أو قناطر كما كان الأصدقاء ينادونه، لم يكن ممثلا والسلام، بل مدرسة حقيقية في التشخيص، وقنطرة للعبور ما بين الماضي والحاضر، بل جسرا رابطا بين الأجيال والتجارب، وعلامة بارزة من علامات الهنا (المغرب)، والهناك (لولايات المتحدة الأمريكية)، بين فضاءات مغربية تحاول جاهدة أن تكون سينمائية، وأستوديوهات هوليوود القاهرة بسطوتها ونجومها وتحكم شركاتها. ومع ذلك، كان هنا رائعا وهناك نجما أعطى من قوة تجربته أقصى ما يمكن، وبصم ببصمته الخاصة عشرات الأعمال التي شارك فيها.
كان إسماعيل أبوالقناطر، أبا وأخا وصديقا وفنانا عاليا، كان كل هذا وأكثر، لأن حبه كان يسع الجميع، ويمنح الظل لمن لا ظل له من خلال وجوده ونبرات صوته وهو ينطق الكلمات الضاجة بالحب والتقدير، اليوم سأبكيه كما بكيت أهم وأعز الأصدقاء، مرددا: لا غالب إلا الله».

من جانبه، محمد بوزكو قال «رحم الله فقيد الشاشة الكبيرة، الفنان المقتدر صاحب القلب الكبير، إسماعيل ابو القناطر….، كان حاضرا معنا في فيلم “أنوال” متقمصا شخصية أمغار عبد الكريم والد محمد بن عبد الكريم الخطابي…، كنا نمني النفس ان يشاهد معنا فيلم أنوال ونستعيد معه اللحظات الجميلة التي جمعتنا في سبيل انجاز فيلم يليق بمرحلة مهمة من تاريخ الريف خصوصا وتاريخ المغرب عموما، لكن الوت كان له رأي آخر…».

بدوره نعى المخرج المغربي المقيم في إسبانيا، محمد البدوي، الراحل بقوله «ببالغ الحزن تلقيت خبر وفاة الممثل القدير إسماعيل أبو القناطر، كان لي الشرف أن أعمل معه في فيلمي فتوى (2026)، سأتذكر دائما احترافيتك وموهبتك ودفء شخصيتك التي أضفتها على كل مشهد. شكرا لمساهمتك في الفن ولشغفك الذي أثر في كل من عمل معك. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته».

أما المخرج عبد الإله زيراط، الذي مثل معه الراحل في فيلم «شذرات» (2025) فقال في نعيه للراحل «رحل عنا ممثل عظيم بحق. حضور قوي، نظرة آسرة تملأ الشاشة بسلاسة، وأداء فائق الدقة والعمق. ولكن وراء موهبته، كان إنسانا: حساسا، متأملا، كتوما، شغوفا بفنه، محترفا بكل معنى الكلمة، دقيقا في المواعيد ومركزا في عمله.. تشرفت بالعمل معه للمرة الأولى، بفضل كرمه وأدائه الذكي، أضفى على الفيلم رونقا خاصا وساهم بشكل كبير في نجاحه».

ممثل مسرحي وسينمائي وتلفزيوني مغربي وعالمي من طراز خاص
حسب ورقة للناقد أحمد سيجلماسي، فإن «سام قناطر»، كما يسمونه بالولايات المتحدة الأمريكية، أو إسماعيل أبو القناطر عندنا بالمغرب ممثل مسرحي وسينمائي وتلفزيوني بيضاوي وعالمي من طراز خاص، لم تكتشفه السينما المغربية إلا في العقدين الأخيرين.
تتكون فيلموغرافيته السينمائية الوطنية من العناوين التالية: «فتوى» (2026) لمحمد البدوي، «أنوال» (2026) لمحمد بوزكو، «أوتيستو» (2025) لجيروم كوهين أوليفار، «شذرات» (2025) لجنان فاتن محمدي وعبد الإله زيراط، «العبد» (2022) لعبد الإله الجوهري، «لحاجات» (2016) لمحمد أشور، «دموع إبليس» (2015) لهشام الجباري، «موشومة» (2012) للراحل لحسن زينون، «حدود وحدود» (2012) لفريدة بن اليازيد، «النهاية» (2010) لهشام العسري، «ذاكرة الطين» (2010) لمجيد الرشيش، «حياة قصيرة» (2010) لعادل الفاضلي، «محطة الملائكة» (2009) لمحمد مفتكر وهشام العسري ونرجس النجار.
في هذه الأفلام السينمائية المغربية وغيرها من الأفلام الأجنبية والأعمال التلفزيونية والمسرحية أبان الفنان الراحل عن علو كعبه في تشخيص مختلف الأدوار، المركبة وغير المركبة، وما يمتلكه من قدرات تعبيرية هائلة بحركات جسمه وتقاسيم وجهه ونظراته وصوته وكلامه وصمته…
فبغض النظر عن القيمة الفنية والفكرية للأفلام المغربية التي شارك فيها كممثل، كان لحضوره فيها بصمة واضحة وإضافة نوعية لا يمكن للمتلقي اليقظ أن يغفل عن ملاحظتها. أما حضوره في الأعمال الأجنبية المختلفة (السينمائية والتلفزيونية والمسرحية) فلم يكن أقل إبداعية من حضور باقي الممثلين الأجانب الذين تقاسم معهم الأدوار إن لم يكن متجاوزا لبعضهم أحيانا.

كانت انطلاقته الفنية في ستينيات القرن الماضي بالدار البيضاء، مسقط رأسه سنة 1948 في دار جده قرب سينما “الصحراء” بحي عين الشق، أولا في إطار الأنشطة الموازية للتعليم بالمدرسة الإبتدائية بالحي الحسني الذي ترعرع فيه، ثم في إطار الأنشطة المسرحية لوزارة الشبيبة والرياضة.
ومما عزز ميوله لفن التشخيص الحكايات التي كان يرويها له جده وهو طفل صغير وانفتاحه منذ أواخر الخمسينيات على «الحلقة» وفنون الفرجة بها وارتياده لدار الشباب القريبة من منزلهم بالحي الحسني لمشاهدة الأفلام الصامتة والناطقة بالأبيض والأسود والألوان.
بعد ذلك التحق بالمعهد البلدي أو الكونسيرفاتوار (قسم المسرح والصولفيج والرقص) ودرس إلى جانب الحسين بنياز والراحلين خديجة أسد (1952- 2023) وزوجها سعد الله عزيز (1950- 2020) وآخرين… وشارك إلى جانب طلبة المعهد المذكور، في مطلع السبعينيات، إبان العصر الذهبي لمسرح الهواة، في تأسيس فرقة «مسرح الجيب» وإنجاز مسرحيات من قبيل «الغول» و»حقنا في الأرض»… والقيام بجولة مسرحية بالمغرب والجزائر. ثم اشتغل بعد ذلك في مسرحيات للراحل الطيب الصديقي (1938- 2016) من بينها «مقامات بديع الزمان الهمداني» و»سيدي عبد الرحمان المجدوب» و»السفود»…، عرضت بالبيضاء والرباط وتونس وسوريا…، وفي بعض السكيتشات التلفزيونية من إخراج الراحل حميد بن الشريف (1940- 1986)، بالإضافة إلى فيلم تلفزيوني بعنوان «القرية المهجورة»، رفقة الشعيبية العدراوي والراحلات زهور المعمري (1942- 2021) وثريا جبران (1952- 2020) وخديجة أسد، وفي فيلم «الغول» من إخراج الراحل محمد الطاوجني، ومسرحية «درهم الحلال» إلى جانب الراحلة نعيمة لمشرقي (1943- 2024) والراحل عائد موهوب (1939- 2019) وهي من إخراج الراحل عبد الرحمان الخياط…

سافر أبو القناطر سنة 1977 إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة السينما وفن التشخيص تحقيقا لرغبة دفينة لديه منذ مرحلة الطفولة، التي انطلقت فيها مشاهداته رفقة والده للأفلام الأمريكية في قاعتي «مونديال» و«مونتي كارلو» بالخصوص وغيرهما، تتمثل في حلمه أن يصبح ذات يوم ممثلا عالميا من عيار مارلون براندو. وبالفعل التحق بمدرسة رود آيلاند للتصميم (الديزاين) المتخصصة في السينما والرسم والنحت والهندسة والديزاين ودرس بها لمدة أربع سنوات وحصل على شهادة. وعوض أن يندمج في عوالم السينما عاد إلى المسرح هناك (أوف برودواي- نيويورك) وشخص أدوارا أو أخرج مسرحيات من قبيل «مذكرات أحمق» (من اقتباسه عن غوغول) و«كاليكولا» لألبير كامو و«العرب الإسرائيليون: كتاب الطبخ»… وقام بجولات ناجحة. كما وقف على خشبات أشهر المسارح التجريبية والطلائعية بنيويورك (مانهاتن) واشتغل مع مسرح «لاماما» المشهور عالميا ومع فرق أخرى.
وتحت إلحاح الرغبة في ممارسة التشخيص السينمائي والتلفزيوني ذهب إسماعيل إلى لوس أنجلوس في التسعينيات من القرن المنصرم، إلا أن الطريق لم تكن مفروشة بالورود، فعاد إلى ممارسة عشقه الأول المسرح من خلال مسرحية «شهرزاد وبنات بغداد الأربع» التي حققت نجاحا مهما. لكن، بعد زواجه سنة 2000 وولادة إبنته الأولى سنة 2001 والثانية سنة 2002 وإبنه سنة 2003 تبين له أن العمل المسرحي وحده لم يعد كافيا لضمان حياة كريمة له ولأفراد أسرته، ومن هنا قرر الانفتاح على السينما والتلفزيون ونقل تجربته المسرحية الطويلة والغنية إليهما.

كانت البداية بمسلسل «هناك» (عن الحرب في العراق) وتلته سلسلات ومسلسلات تلفزيونية أمريكية أخرى من قبيل «إيلياس» و«الخلية النائمة» و«24» و«الطاغية»… كما كان أول عمل تلفزيوني مغربي شارك فيه كممثل تحت إدارة المخرج عادل الفاضلي هو إحدى حلقات السلسلة البوليسية «لابريكاد»، وتلته مجموعة من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، التي شارك فيها بأدوار رئيسية، نذكر منها العناوين التالية: «المغفور» (2021) لجون مايكل ماكدونا و«ملكة الصحراء» (2015) لفرنر هيرتزوغ، وهما فيلمان أمريكيان صورا جزئيا بالمغرب، و«ديويد وفاطمة» (2008) للمخرج المصري آلان زعلوم، وهو فيلم سينمائي يحكي قصة حب بين شابة فلسطينية وشاب إسرائيلي…
والمسلسلات المغربية: «على غفلة» (2025) لهشام الجباري و«الماضي لا يموت» (ج 2- 2021) لهشام الجباري و«الإرث» (2020) لمحمد أمين مونة و«الغول» (2016) لعلاء أكعبون وجون لوك هيربولو و«راس لمحاين» (2013) لهشام الجباري… والأفلام التلفزيونية: «الذئاب لا تنام» (2014) لهشام الجباري و«حجار الواد» (2008) و«حد الصداقة» (2009) لعادل الفاضلي و«رجل فوق الشبهات» (2009) لنوفل البراوي… وهكذا ظل يتنقل بين المغرب وأمريكا للاشتغال هنا وهناك.

تجدر الإشارة إلى أن الممثل المبدع الراحل إسماعيل أبو القناطر قد سبق تكريمه مرتين: الأولى في حفل اختتام الدورة 8 لمهرجان سيدي عثمان للسينما المغربية بالدار البيضاء سنة 2022، دون أن يتمكن من الحضور لدواعي مهنية طارئة، والثانية في حفل افتتاح الدورة 12 للمهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة سنة 2023. إلا أن دعوات تكريمه، قيد حياته، في مهرجاني الفئة (أ) بالمغرب، أي مهرجان مراكش ومهرجان طنجة، لم يجد آذانا صاغية مع كامل الأسف.
إن ابتعاد الراحل عن الأضواء وتكريس جل أوقاته لدراسة الأدوار المقترحة عليه، وما أكثرها، ليختار منها في النهاية ما يناسبه ويجعله في مستوى انتظارات جمهوره وعشاقه، هو الذي ترك المجال مفتوحا على مصراعيه لتكريم بعض الأسماء الأقل موهبة وتألقا منه في الأفلام السينمائية الوطنية والدولية على حد سواء. رحمه الله وعزاؤنا واحد في فقدان هذا الممثل القيدوم الذي كان له حضور بهي وقوي على شاشاتنا الكبيرة والصغيرة، بعد أن راكم تجربة فنية معتبرة داخل المغرب وخارجه.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.