التشتت في المقاربات أضعف الشريط وأثقله إلى درجة تنفير المشاهد من معانقة معاناة أبطال قصة هجينة…
نسرين الراضي قدمت أداء مهنيا جديرا بالتقدير لكن هذا الأداء لم يجد حوله بناء سيناريستيا أو إخراجيا قادرا على احتضانه لقد حاولت أن تمنح الشخصية حياة داخل مادة درامية فقيرة إلا أن الممثل (ة) لا يستطيع وحده إنقاذ شخصية لم يكتمل مسارها كتابة…
هاجر كريكع المخرجة غيبت ومرت بجانب مخزون طاقتها كممثلة هادئة وصادقة الأحاسيس تنتظر من يكشفها كقوة أداء سينمائي نادر الوجود في سينيمانا…
فاطمة عاطف أرزة الأطلس الشامخة تحضر في الشريط باعتبارها عابرة في غياب نظرة إخراجية واضحة تمنحها موقعا دراميا أو إنسانيا يليق بها، وفي الأقل يليق بشخصية السيناريو (المفروض)…
نبض القاعات 2 / هشام الودغيري
عن الشريط LA MÁS DULCE – Les Fraises – “الأكثر حلاوة” لمخرجته ليلى مراكشي، الذي اختير من طرف لجنة “المركز السينمائي المغربي” لتمثيله بأوسكار أفضل فيلم دولي لسنة 2027…
إشارة لا بد منها لكون لجنة “المركز السينمائي المغربي” بها عدة عيوب مسطرية:
- أولها:خرق الحيادية بترأسها من طرف إطار إداري بالمركز، وسبق له ترأسها السنة الماضية؛
- ثانيها: تكرار أسماء تطوف بدوام على لجان المركز؛
- ثالثا: تشابك علاقات مهنية لبعض أعضاء اللجنة تفيد التحيز القبلي؛
- رابعا: التمادي في نعت الشريط المختار من طرف اللجنة بـ:”المغرب سيمثل بفيلم” هو به اغتصاب usurpation بحق تمثيلية انتخابية للشعب المغربي في اختياراته، بالأحرى قول: “المركز سيمثل بفيلم” أو “السينما المغربية ستمثل بفيلم”.
الفيلم المختار لمخرجة مغربية-فرنسية يغتصب معاناة العاملات الموسميات على شاشة الكليشيهات

فقر المقاربة
نسبح في عوالم هجينة، خليط بين المعتقل السجني والمعسكر التجنيدي، من دون أن ينجح الشريط في تحويل هذا الفضاء إلى تجربة درامية متماسكة.
عند الدقيقة 17، لم يكن الشريط قد انطلق بعد، لا يزال المشاهد عالقا في مقدمة مرتبكة، تتراكم فيها الإيحاءات من دون أن تتشكل رؤية واضحة أو سؤال درامي قادر على حمل العمل.
تظهر تلميحات إلى ميولات سحاقية لا علاقة واضحة لها بموضوع استغلال عاملات جني المحاصيل الفلاحية، كما يمر الشريط على مشكلة التحرش الجنسي، بل على دعارة العاملات الفلاحيات، لا عبر معالجة درامية أو سردية، وإنما من خلال تلميحات مشهدية سطحية، أقرب إلى “التلصص العادي” (voyeurisme banal) منها إلى تفكيك تجربة الاستغلال والعنف.
يحاول الشريط نقل معاناة النساء العاملات في حقول جني المحاصيل الفلاحية بإسبانيا، من خلال الغوص في حميميات معيشهن اليومي، خصوصا داخل العنابر (اقتصاد إنتاجي واااضح). غير أن هذه المحاولة تظل خارجية ومفتعلة، لأن الكاميرا لا تنجح في لمس جوهر المعاناة أو تحويلها إلى إحساس درامي يصل إلى المشاهد.
لا نشعر بأن العمل يملك معرفة حقيقية بظروف عيش العاملات الموسميات أو بطبيعة العمل الذي يؤدينه، إن ما نراه هو تخمين عن المعاناة، لا معاناة وقد وجدت طريقها إلى الصورة. ويبدو أن السيناريست (سيناريو ليلى المراكشي ودلفين أغوت Delphine Agut، باستشارة ياسين بدي Yacine Badday) والمخرجة لم يتشبعا بما يكفي بموضوعهما، ولم يقتربا منه بالمدة أو العمق الضروريين لاستيعاب تفاصيله الإنسانية والاجتماعية، لذلك تبدو الشخصيات وكأنها تؤدي فكرة عن المعاناة، لا أنها تعيشها أمامنا.
أما ليتموتيف leitmotiv قطاف توت الأرض في الحقول المغطاة، فلم يوظف سرديا بما يخدم بناء الحكاية، حضوره يظل أقرب إلى خلفية ميكانية أو علامة تعريفية بالموضوع، من دون أن يتحول إلى عنصر درامي يؤثر في الشخصيات أو يدفع الأحداث أو يكشف طبيعة الاستغلال.

سطحية المعالجة
ينطلق الشريط فعليا عند الدقيقة 25، مع مشهد أداء الأجور الأسبوعية للعاملات، وملاحظة النقصان في الأجر المعلن عنه في المغرب وقت توقيع العقد، كان يمكن لهذا المشهد أن يشكل مدخلا قويا إلى آليات الاستغلال الاقتصادي، غير أن الشريط لا يستثمره بما يكفي، ولا يحوله إلى لحظة تأسيسية للصراع.
بعد ذلك، يتيه السرد في تكرار مشاهد سابقة، وكأن العمل يعيد شرح الفكرة نفسها من دون أن يطورها، إلى أن يقتحم صاحب المزرعة حمام النساء عند الدقيقة 29:50. ينتهي المشهد بالتلميح إلى اغتصاب جنسي عبر تقنية الحذف السردي (ellipse)، لكن هذا الحذف لا يبدو اختيارا جماليا أو دراميا محسوبا، بل يتحول إلى طريقة للتهرب من بناء المشهد ومن تحمل تبعاته السردية. فالشريط لا يمنحنا لا سياق العنف ولا أثره النفسي ولا انعكاسه على الضحية، يكتفي بإلقاء التلميح، ثم يتركه معلقا، كما لو أن مجرد الإشارة إلى الاغتصاب تكفي لإنتاج الصدمة، لكنها لا تنتج سوى فراغ درامي آخر.
وما محل مشهد غناء فاطمة عاطف داخل حافلة النقل، وهي تؤدي قطعة أمازيغية، من دون أن نراها أو نفهم موقع الغناء داخل البناء السردي؟ لا يتضح إن كان المشهد يراد به التعبير عن الحنين، أو مقاومة القهر، أو استعادة الهوية، أو مجرد ملء فراغ زمني، إنه مشهد معزول، لا يضيف إلى الشخصية ولا إلى الحكاية، ولا يترك أثرا يتجاوز لحظته.
لسنا أمام مشروع شريط مكتمل، بل أمام ماكيت MAQUETTE جنينية لفكرة لم تتجاوز السطر… تتوالى المشاهد المكررة، وتتراكم الأفكار والكليشيهات من دون أن تنضج داخل بناء درامي. كلما بدا أن الشريط يقترب من موضوعه، تراجع إلى الاستعراض والتلميح والتكرار، والنتيجة ليست تعميقا للمعاناة، بل إطالة (تمطيط) لها من دون إضافة، أو ما يمكن تسميته بـ”تجباد السينتة”.
عند الدقيقة 41، ينتقل الشريط إلى فيلا فخمة، حيث نجد هاجر كريكع تعمل خادمة منزلية لدى صاحب المزرعة، مع استمرار ممارسة الجنس عليها، أو اغتصابها. هذا الانتقال لا يبدو نتيجة منطقية لما سبقه، بل فلاش أو كليشي ساقط من السماء، لا تمهيد له، ولا ضرورة درامية تبرره، ولا بناء تدريجي يجعل المشاهد يستوعب كيف وصلت الشخصية إلى هذا الوضع.
يبدو الأمر كما لو أن السيناريو يبحث عن صور جاهزة للعنف، فيضعها تباعا أمام المشاهد من دون أن يبني المسار الذي أوصل الشخصيات إليها. وهكذا يتحول العنف من تجربة إنسانية إلى أداة للإثارة، ومن مأساة اجتماعية إلى سلسلة من المشاهد القاسية والهجينة المفصولة عن بعضها.
مقارنة عابرة من وحي سرد المعاناة الإنسانية سينمائيا
وأنا أشاهد الشريط، تذكرت تجربة رشيد مشهراوي مع مخرجات ومخرجين من غزة (“من نقطة الصفر + / From Ground Zero +” إنتاج 2024)، حيث نجحوا في نقل معاناة المعيش الغزاوي في ظل القمع والعدوان الإسرائيلي الغاشم، المقارنة هنا تكشف الفارق أكثر مما تخدم الشريط.
بالإمكان مقارنة التجربتين من حيث تقارب كلفة الإنتاج، التي تقتصر اقتصاديا على زمكان ضيق شبه مغلق (huis clos)، مع الاعتماد على الحوار السردي والوصفي، لكن التجربة الفلسطينية استطاعت، رغم محدودية الإمكانات، أن تمنح المكان كثافته الإنسانية والسياسية، أما هذا الشريط، فظل أسير سطح المكان، عاجزا عن تحويل ضيقه إلى ضغط درامي أو إلى تجربة نفسية عميقة.
في التجربة الفلسطينية، كانت محدودية الفضاء تتحول إلى قوة تعبيرية، بينما تتحول في هذا العمل إلى قيد يكشف فقر البناء، هناك كان الاقتصاد في الإنتاج يفرض تكثيف المعنى، وهنا يبدو الاقتصاد مجرد غطاء لغياب الرؤية، هناك كانت المعاناة تنبع من صدق التجربة، وهنا يجري استدعاؤها عبر الكليشي والتلميح.

ضياع المخرجة وشخوصها في بناء السرد
ربما تبدأ الحكاية فعليا عند الدقيقة 57:50، حين تكتشف نسرين الراضي هاجر كريكع مغمى عليها داخل إحدى السيارات، ثم نشاهدها وهي تنزف دما فوق الفراش، غير أن هذا التحول يأتي متأخرا جدا، وبعد أن يكون السرد قد استنزف كثيرا من انتباه المشاهد في مسارات غير مكتملة.
ثم إن هذا الموضوع نفسه يظل ثانويا ولا يخدم بناء السيناريو بقدر ما يشتته، بدلا من أن يوسع فهمنا للطرح الأساسي، يفتح الشريط خطا دراميا جديدا من دون أن يملك القدرة على تطويره، وهكذا تضيع خيوط الحكاية الأساسية بين مشاهد عن الاستغلال، وأخرى عن العنف الجنسي، وأخرى عن التحقيق، وأخرى عن الدفوعات الحقوقية.

قدمت نسرين الراضي أداء مهنيا جديرا بالتقدير، لكن هذا الأداء لم يجد حوله بناء سيناريستيا أو إخراجيا قادرا على احتضانه، لقد حاولت أن تمنح الشخصية حياة داخل مادة درامية فقيرة، إلا أن الممثل (ة) لا يستطيع وحده إنقاذ شخصية لم يكتمل مسارها كتابة.

هاجر كريكع، لم تجد من يقودها داخل الشريط، رغم أنها، حسب ما يرِد في الجنريك، كانت وراء عملية الكاوتشين Coaching، حضورها يبدو محكوما بوظيفة المشهد لا بمنطق الشخصية، تظهر حين يحتاج السيناريو إلى صورة جديدة للعنف، وتختفي حين يعجز عن متابعة آثار هذا العنف، بذلك غيبت المخرجة هاجر كريكع ومرت بجانب مخزون طاقتها كممثلة هادئة وصادقة الأحاسيس تنتظر من يكشفها كقوة أداء سينمائي نادر الوجود في سينيمانا (تجربتها في شريط “موفيطا”–Mauvais temps إنتاج 2025 كانت على نفس المنوال).

فاطمة عاطف، أرزة الأطلس الشامخة تحضر في الشريط باعتبارها عابرة، في غياب نظرة إخراجية واضحة تمنحها موقعا دراميا أو إنسانيا يليق بها، وفي الأقل يليق بشخصية السيناريو (المفروض).

المختصر المفيد
الخلاصة أن الأمر يتعلق بمحاولة لمعالجة موضوع درامي ثقيل دون روح إبداعية قادرة على تحويله إلى تجربة سينمائية، فالسينما ليست صورا عنيفة، ولا مشاهد صادمة، ولا تجميعا للكليشيهات، ولا تلميحات إلى الاغتصاب والاستغلال… السينما هي بناء للمشاعر، وتشكيل للزمن، وإقناع بمسار الشخصيات، ونقل صادق لما تعيشه، أما حين تكتفي الصورة بالإشارة إلى المأساة من الخارج، فإنها لا تجعلنا نعيشها، بل تذكرنا فقط بأنها موجودة.
يحاول الشريط قلب موازين السرد (volte-face) من خلال مشاهد التحقيق القضائي، والانتقال إلى خطاب حقوقي على منوال سينما الواقع (cinéma du réel)، غير أن هذا التحول لا يأتي ثمرة لتطور درامي، بل يبدو كما لو أنه محاولة متأخرة لإنقاذ شريط فقد اتجاهه.
لقد تداخل المعيش الدرامي مع الخطاب الحقوقي، من دون أن ينجح العمل في بناء جسر بينهما، فبدلا من أن يثري التحقيق فهم المشاهد للمعاناة، يقطع مسارها، وبدلا من أن يمنح الشهادة القضائية معنى دراميا، يحولها إلى مادة خطابية مباشرة… وهكذا يظل الشريط يتأرجح بين الفيلم الاجتماعي، والدراما النفسية، والتحقيق الحقوقي، وسينما الواقع، من دون أن ينجح في أن يكون أيا منها بصورة مكتملة.
عند الدقيقة 89:22، يؤدي الانتقال من خانة المعيش الدرامي إلى خانة الدفوعات الحقوقية إلى جعل الشريط هجينا، بلا رأس ولا رجل، إنه لا يملك وضوح الفيلم الروائي، ولا صرامة الفيلم الحقوقي، ولا صدق الوثيقة، ولا قوة الدراما. وكل انتقال جديد لا يعمق الحكاية، بل يكشف ارتباكها الهجين.
التشتت في المقاربات أضعف الشريط وأثقله، إلى درجة تنفير المشاهد من معانقة معاناة أبطال قصة هجينة، والمفارقة أن العمل، الذي يريد الدفاع عن العاملات الموسميات بإسبانيا واستعادة أصواتهن، ينتهي إلى إقصائهن مرة أخرى، لأنه لا يمنحهن أصواتا وشخصيات ومسارات، بل يستعملهن كحاملات لمجموعة من الأفكار الجاهزة عن الاستغلال والعنف والعدالة.
مع الأسف، نحن أمام جهد إنتاجي كبير حظي بتمويلات عديدة، غربا وشرقا ومحليا، لكنه أفضى إلى شريط هجين لن يصمد، في تقديري، لا في شباك التذاكر ولا في ذاكرة السينما.
فالمشكلة ليست في محدودية الإنتاج، ولا في ضيق الأمكنة، ولا في ثقل الموضوع. المشكلة في غياب الرؤية التي تمنح هذه العناصر معنى. لقد توفرت للشريط كل المواد اللازمة لصناعة عمل مؤثر: عاملات موسميات، استغلال اقتصادي، عنف جنسي، اغتراب، فضاء مغلق، وشخصيات تحمل جراحا اجتماعية عميقة. لكنه بدد هذه المواد في مشاهد مكررة، وانتقالات مفاجئة، وتلميحات غير مكتملة، وخطابات حقوقية لم تنضج دراميا.
النتيجة شريط يعلن انحيازه إلى الضحايا (كتبرير براغماتي/ تجاري)، لكنه لا يعرف كيف يصغي إليهن. يتحدث عن المعاناة، لكنه لا يجعلنا نحس بها. يرفع شعار الواقعية، لكنه يستبدل الواقع بكليشيهات عنه.
وفي النهاية، لا يبقى من كل هذا التمويل والجهد الإنتاجي سوى عمل مرتبِك، متضخم/مشبع (Saturated)، فاقد للتماسك، عاجز عن أن يحول المأساة إلى سينما.
للمعلومة:
- حضي الشريط بمنحة 400 مليون سنتيم كتسبيق على المداخيل من طرف لجنة الدعم التابع للمركز السينمائي المغربي برسم الدورة الثانية لسنة2023 برآسة خليفة أم الكوارث بهاء الطرابلسي.
- الميزانية المرتقبة كانت في مبلغ 2 مليون أورو.
- نال دعما بقيمة 20 ألف أورو لما بعد الإنتاج من طرف “ورشات الأطلس” سنة 2025.
- حاز على منحة 375 ألف أورو لدعم الإنتاج من طرف أوروإيماج Eurimages سنة 2024.
- استفاد من دعم إنتاجي بقيمة 40 ألف أورو من صندوق صورة الفرنكوفونية Fonds Image de la Francophonie سنة 2026.
- كما دعم من طرف العديد من الصناديق العربية والغربية.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.