المسافات المستحيلة بين قانون الفنان والحياة المسرحية بالمغرب

هل يكفي الاعتراف القانوني بـ الفنان لكي تتشكل حياة مسرحية مستقرة؟

الواقع المسرحي يقوم على منطق المشروع الثقافي المؤقت.. الفنان لا يشتغل داخل مؤسسة إنتاجية مستقرة بل ينتقل من مشروع إلى آخر…

الفرق المسرحية لا تملك غالبا شروط التحول إلى مؤسسة حقيقية قادرة على التخطيط الطويل الأمد…

القانون يفترض وجود مهنة منظمة ومؤسسات إنتاج وعلاقات تعاقدية واضحة في حين أن الحياة المسرحية تقوم في أغلب الأحيان على مبادرات متفرقة وعلى فرق تظهر حين يتوفر مشروع ثم تختفي عندما ينتهي…

الزيتوني بوسرحان*

وانت تقرأ قانون الفنان والمهن الفنية وتتأمله نصا والواقع الفعلي تلمس مفارقة لا يمكن تجاهلها. فالنص القانوني يبدو وكأنه يتحدث عن قطاع مهني مستقر، بينما تكشف الممارسة المسرحية في المغرب عن واقع مختلف تماما، بين النص والحياة اليومية للمسرح تمتد مسافة واسعة، مسافة تكاد تبدو مستحيلة. القانون يفترض وجود مهنة منظمة، ومؤسسات إنتاج، وعلاقات تعاقدية واضحة، في حين أن الحياة المسرحية تقوم في أغلب الأحيان على مبادرات متفرقة، وعلى فرق تظهر حين يتوفر مشروع ثم تختفي عندما ينتهي.

القانون يضع الفنان في مركز البناء القانوني. فهو يعرفه، ويمنحه بطاقة مهنية، ويحدد علاقته التعاقدية مع المشغل. غير أن المسرح بطبيعته ليس نشاطا فرديا. إنه فعل جماعي يقوم على فرقة، وعلى مشروع فني مستمر، وعلى بنية إنتاج وتوزيع. هنا يظهر أول خلل بنيوي: القانون نظم وضع الفنان، لكنه لم ينظم الإطار الذي يعيش فيه الفنان داخل المسرح. فالفرقة المسرحية، التي تمثل في الواقع القلب النابض للحياة المسرحية، لا تحضر في النص القانوني إلا بشكل غير مباشر، بوصفها مجرد جهة قد تشغل الفنانين.

هذه الفجوة تزداد اتساعا عندما ننتقل من النص إلى الواقع التنظيمي للفرق المسرحية. أغلب الفرق في المغرب ليست مؤسسات إنتاج بالمعنى المهني، بل جمعيات ثقافية. وهي في الغالب لا تملك بنية إنتاجية مستقرة، ولا جهازا إداريا، ولا فضاءات عرض دائمة. وجودها يرتبط غالبا بمشروع إنتاج واحد، يتشكل حوله الفريق، ثم يتفكك بعد انتهاء العروض القليلة التي يفرضها العقد أو برنامج الدعم. وهكذا تتحول الفرقة إلى إطار مؤقت بدل أن تكون مؤسسة فنية ذات استمرارية.

تظهر المفارقة بشكل أوضح عندما نتأمل فكرة العمل الفني كما يفترضها القانون. فالقانون يقوم على منطق الشغل: هناك فنان، وهناك مشغل، وهناك عقد عمل. غير أن المسرح في المغرب لا يقوم في الغالب على سوق شغل حقيقية، بل على منظومة دعم عمومي محدود. العرض المسرحي ينتج أساسا لأنه حصل على دعم، وليس لأنه يدخل ضمن دورة إنتاج وتوزيع تسمح له بالاستمرار أمام الجمهور. ونتيجة لذلك يصبح العرض حدثا عابرا، لا مرحلة داخل حياة مسرحية متواصلة.

من هنا تتولد إحدى الإشكالات المركزية في العلاقة بين القانون والحياة المسرحية. القانون يفترض وجود قطاع مهني، بينما الواقع المسرحي يقوم على منطق المشروع الثقافي المؤقت. الفنان، في هذا السياق، لا يشتغل داخل مؤسسة إنتاجية مستقرة، بل ينتقل من مشروع إلى آخر. أما الفرقة، فهي بدورها لا تملك غالبا شروط التحول إلى مؤسسة حقيقية قادرة على التخطيط الطويل الأمد.

ولا يتعلق الأمر فقط ببنية الفرق، بل أيضا بالبنية العامة لتداول العرض المسرحي. ففي البلدان التي تتوفر على حياة مسرحية قوية نجد شبكة واضحة من المسارح المنتجة، وشركات الإنتاج، ومسارات توزيع العروض. العرض لا يولد لكي يختفي بسرعة، بل لكي يعيش دورة من العروض والانتقال بين المدن. في المغرب ما تزال هذه الحلقة ضعيفة. القاعات قليلة، وبرمجة العروض غير منتظمة، والجمهور لا يجد أمامه مسارا واضحا لمتابعة الإنتاج المسرحي.

بهذا المعنى لا يبدو الخلل كامنا في النص القانوني وحده. القانون جاء ليعترف بالفنان وينظم المهن الفنية، لكنه وُضع فوق واقع لم تكتمل شروطه المهنية بعد. لذلك بدت المسافة بين القانون والحياة المسرحية مسافة صعبة الردم. فالقانون يتحدث بلغة المهنة المنظمة، بينما يتحدث الواقع بلغة المبادرة الثقافية المدعومة.

ومن هنا يطرح السؤال الذي يتجاوز النص نفسه: هل يكفي الاعتراف القانوني بالفنان لكي تتشكل حياة مسرحية مستقرة؟ التجربة المغربية توحي بأن الجواب أكثر تعقيدا. فالمسرح لا يقوم فقط على الاعتراف بالفنان، بل يحتاج أيضا إلى مؤسسات إنتاج، وإلى فضاءات عرض، وإلى جمهور يتابع العروض في استمرارية. من دون هذه العناصر يبقى القانون إطارا ضروريا، لكنه يظل معلقا فوق واقع لم يكتمل بعد.

بهذا المعنى يمكن القول إن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في قانون الفنان، بل في المسافة التي تفصل بين التشريع الثقافي والبنية الفعلية للحياة المسرحية في المغرب. تلك المسافة هي التي تجعل العلاقة بين القانون والممارسة علاقة متوترة، وتطرح من جديد سؤال بناء نظام مسرحي قادر على تحويل النصوص القانونية إلى ممارسة حية داخل المجتمع.

*مسرحي مغربي

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

الهيئة العربية للمسرح تفتح باب المشاركة في مسابقة تأليف النصوص الموجهة للكبار

النسخة الـ 17 تتمحور حول موضوع “الإنسان في عالم ما بعد إنساني“…  إسماعيل عبدالله: السؤال …