لم يصدر عن المركز السينمائي أي نتائج عن الاتفاقات المبرمة في السوق الأوروبية للفيلم مع منتجين عالميين تتقدمهم منصة Netflix،..
وحدها روائح الحفلات بقيت راسخة في أذهان المتتبعين والمهنيين وفقرات إشهارية صيغت بأسلوب إنشائي لا زالت مرتبة على بوابة المركز السينمائي وهي غير قائمة على المنطق والقيمة…
تمة ممتهنين لكتابة السيناريو يكتبون أي شيء يتم إخراجه كيفما اتفق شريطة استمرار تدفق الصنبور كما هو حال سينما يعشقها وزير الشباب والثقافة والاتصال كونها تحرك شباك التذاكر وتسلي الجمهور …
بيت الفن
في ظل القحط الذي يشكو منه الإنتاج التلفزي المغربي في مجال الدراما بكل أنواعها وفي مقدمتها الدراما التاريخية، علا قبل ما يزيد عن شهر، عواء إعلامي يطبل لجوقة من المنتجين ما أنزل الله بهم من سلطان، حملت إلى السوق الأوروبية للفيلم (12-18 فبراير 2026) المنظم على هامش مهرجان برلين، أعمالا روائية ووثائقية ومسلسلات، إضافة إلى مشاريع قيد التطوير، بهدف تعزيز الانتاجات المشتركة والشراكات الدولية، ولم يصدر عن المركز السينمائي المغربي، الذي تبنى هذه الكنوز الإبداعية وأغدق على أصحابها أمولا من خزينة الدولة، أي نتائج عن الاتفاقات المبرمة مع منتجين عالميين تتقدمهم منصة Netflix، يا ألله فما من خبر لحد كتابة هذه السطور.
وحدها روائح الحفلات بقيت راسخة في أذهان المتتبعين والمهنيين، وفقرات إشهارية صيغت بأسلوب إنشائي لا زالت مرتبة على بوابة المركز السينمائي المغربي، وهي غير قائمة على المنطق والقيمة، باطنها زائف وتضليلي، وحججها واهية، فأصحابها لا هم أصحاب أستوديوهات بالدار البيضاء والرباط أو وارززات، أو أعمال تتسم بالعالمية حطمت أرقاما في مجال التوزيع أو حازت على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، بل ولو في حدود المنافسة حتى، كثير من الأعمال لم تتجاوز مدينة البوغاز (حدو طنجة) مع يلف الجوائز من محاباة وخدمة مصالح، أفلم تجر مداولات لجنة التحكيم تحت أبصار السيد رضى بن جلون، وذلك بشهادة رئيس اللجنة التحكيم.
الخواتيم بمقدماتها، ولعل سؤال الحصيلة يمس في مبتدئه ومنتهاه لجان الدعم، التي لم تحاسب ولا مرة عما اقترفته في حق السينما المغربية، ولا عن “الكنوز” المرمية في مقبرتها من سيناريوهات تحصلت على الدعم وتمت إعادة انتاجها بعناوين جديدة لأفلام قديمة، هذا الوضع الهلامي، حفز آخرين للسطو على أعمال لم يكدوا أو يصنعوها بأياديهم، وهو ما حاول المركز السينمائي درءا للفضيحة محاولة تطويقها، كما عبر عن ذلك في بلاغ صدر عنه أخيرا، أوضح فيه بالمناسبة أنه ابتداء من الدورة الأولى لسنة 2026، سيعمل على التأكد من مطابقة المعطيات المتعلقة بصاحب السيناريو، المصرح بها عبر المنصة الرقمية الخاصة بدعم إنتاج الأعمال السينمائية الوطنية، مع البيانات المصرح بها مسبقا بالسجل الوطني للسينما أو بالسجل العمومي، وذلك وفق مقتضيات القانون رقم 70.17، خاصة ما يتعلق بتقييد العقد الرابط بين شركة الإنتاج وصاحب السيناريو المعني، داعيا شركات الإنتاج السينمائي، إلى ضرورة التحقق من تقييد العقود المبرمة مع أصحاب السيناريو، وذلك عند دراسة طلبات الاستفادة من الدعم العمومي الموجه للإنتاج السينمائي الوطني قبل مرحلة الإنتاج.
المركز السينمائي يشترط تسجيل عقود السيناريو للاستفادة من الدعم
ألا يصلح هذا المشهد البئيس للمجال السمعي البصري وما يعتليه من صدأ، كمشروع لدراما تاريخية وفق حبكة مسترسلة تنسج صيرورة تطورها من خليط غير متجانس تتصدره فئة من كائنات انتهازية تعرف من أين تؤكل الكتف، بالنبش في أرشيفاتها جيلا بعد جيل من زمن إدريس البصري إلى يوم الناس هذا، نغوص في حياتها ونتعرف على طينتها وكيف راكمت الثروة باسم بالثقافة والفن والإعلام، بعضهم تحول من مصور للولائم والأعراس وحفلات العزاء إلى كبر وصار منتجا تلفزيونيا ومليارديرا في رمشة عين، والكل يعرف مصير ولي نعمته، الذي هو الآن قيد التحقيق معه من طرف الشرطة الوطنية.
هذا الشخص يشكل مجرد عينة من عينات تزداد سمنة بفضل بركة القطب المتجمد، الذي ظل ولازال يحتكر المشهد السمعي البصري، ويصرف عليها ما يفوق 220 مليار سنتيم سنويا، ويربح من الإشهار 200 مليار سنتيم تقريبا كل سنة أي حوالي 420 مليون دولار بفارق 30 مليون دولار عن ميزانية “الجزيرة” وذلك في حدود سنة 2011 كما ذهب إلى ذلك توفيق بوعشرين في مقال سابق له، غير أن الاختلاف بين قنوات القطب العمومي وقناة الجزيرة، أن هذه الأخيرة استطاعت النفاذ إلى مختلف البيوت العربية، أما قنواتنا فالجواب تجدونه عند “ماروك ميتري”.
المشهد بقدر ما يستدعي مقاربة درامية تاريخية، فإنه يستدعي أيضا مقاربة هزلية والذي نفضله تبعا لكلفته فهو رخيص في شكله وفي كل شيء، يحمل تخمة من الضحك، من المناظر، من اللامعنى والتفاهة، فالمسألة لم تعد مسألة إخراج، ولا تكوين ممثلين ولا نصوص مشعة: تمة ممتهنين لكتابة السيناريو، يكتبون أي شيء، ويتم إخراجه كيفما اتفق، شريطة استمرار تدفق الصنبور، كما هو حال سينما يعشقها وزير الشباب والثقافة والاتصال، كونها تحرك شباك التذاكر طالما أن الجمهور يطلب أن يتسلى بسعر زهيد، مادام أن أغلبه تقريبا لا يمتلك اليوم أدنى فكرة عما أن تكون الدراما، التراجيديا، الملحمة، ونزولا عند رغبة الجمهور خصص السيد الوزير مبالغ مالية سخية لتكوين الشباب شريطة أن لا يسمع حديثا في السياسة، هذا فضلا عن سياسة الإغذاق على مهرجانات “السوليما” يتناوب عليها بعض علماء السينما ممن انخرطوا في وضع عائق إضافي أمام الفنان وأمام الجمهور من القيد الفولاذي، في إطار ترسيخ سياسة النقد وجمعها نقود، في سياق ببيئة جارفة تحميها المصالح الضيقة، وقس على ذلك دعم قاعات (سينمائية) أغلبها لم ير النور.
إذا هو مسلسل دراما تاريخية اجتماعية، قد تغوي الفنان محمد مفتاح، لكنها لا تغوي فيصل العرايشي، لا لكون مفتاح تساءل ذات مرة عن العائد الذي يتقاضاه العرايشي من تخصيص مليار أو ما يزيد عنه لبعض شركات الإنتاج هل واحد في المائة اثنان في المائة أو ثلاث … ولا زال ينتظر الجواب، وقد ورد تساؤله في معرض حديث له مع “شوف تيفي” عن كون الرئيس المدير العام للقطب العمومي يتقاضى 95 ألف درهم فضلا عن الامتيازات من مصروف الجيب إلى التنقل وهلم جرا.
الجواب ببساطة العرايشي لا يحب الدراما التاريخية، فهو في موقع الرقيب ويعرف مسبقا إيقاع كتابة السيناريو، التي لا تتطلب إلا شهرا كاملا في أحسن الأحوال، وشركات الإنتاج غير معنية بالتنقيب في المراجع وكتب التاريخ عن شخصيات وأحداث أثرت في تاريخنا القديم أو المعاصر، بالتحقيق في الأرشيفات، وبأن لا يكون اختيار الشخصيات اعتباطيا، بقدر ما يشترط فيها أنه كان لها تأثير كبير على الحياة العامة وتحمل رسالة وفي حياتها شيء يمكن ان يتحول الى دراما مشاهدة، فضلا عن الصدقية والتعبير الفني والجمالي بما يتلاءم والبناء العام للعمل الإبداعي، وللهروب من صداع الرأس هذا يكفينا حكايات من التراث الشعبي، وقليل منه حالفه النجاح.
ختاما يمكن القول إن الابداع الفردي لا ينفصل عن الابداع الجمعي، فمن المستحيل أن نفصل مجالات الدراما والفن التشكيلي والمسرح عن سائر مجالات الثقافة من شعر وأدب والتفكير العلمي والفلسفي الأخلاقي والسياسي، كما هو مستحيل أن نفصل مجمل المجال الثقافي عن مضمونه التاريخي والاقتصادي والسياسي، آخذين هذه التعابير في مفهومها الأوسع، لنستطيع فهم توكيد حياة تقوم على فعل تدميري للإبداع وللقلب وتحويل البشر إلى دمى، الحضارة إلى خواء مادي والثقافة إلى خواء عقلي. ومع أن هناك نقط ضوء يحاول أن يجسدها بعض المبدعين من القادرين على أن يقبضوا خارج الزمن على القوى اللامرئية التي تحكم عالمنا المرئي في زمن المركنتيلية والنفعية، وإن لم تستطع فإنها تحاول وستظل تحاول في أن تحمل الناس والأفكار بكل كيانهم، بكل قواهم، وبكل روحهم، بحماسة، بهوس، بجدية، حتى وإن كان الواقع شديد التعقيد.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.