رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أحد أكثر المفكرين تأثيرا في عصرنا

في سنواته الأخيرة عبر هابرماس عن قلقه من الوضع الدولي المتوتر ففي كتاب صدر عام 2024 بعنوان “كان يجب أن يصبح شيء ما أفضل…” انتقد سيطرة منطق الحرب على تفكير النخب السياسية في الغرب…

بيت الفن

توفي الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، اليوم السبت 14 مارس 2026، حسبما أفادت دار النشر الخاصة به استنادا إلى معلومات من عائلته.

وفارق هابرماس، أحد أكثر المفكرين تأثيرا في جيله، الحياة عن عمر يناهز 96 عاما في مدينة ستارنبرغ في جنوب ألمانيا، بحسب دار “سوركامب فيرلاغ”.

ويعد الراحل الذي رأى النور في دوسلدورف عام 1929، أحد أبرز أعلام تيار “مدرسة فرانكفورت” ومنظري الفعل التواصلي والمجال العام، وشارك في جميع النقاشات الفكرية الرئيسية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.

وربط هابرماس طوال حياته بين الفلسفة والسياسة، والفكر والممارسة، وقد أكسبته أعماله العديد من التكريمات في أنحاء العالم.

ومن مؤلفات الراحل التي فاقت الخمسين “منطق العلوم الاجتماعية” (1967)، “نحو مجتمع عقلاني” (1967)، “التواصل وتطور المجتمع” (1976)، “الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي” (1983)، “الخطاب الفلسفي للحداثة” (1985)، “براغماتيات التواصل” (1992)، “العقلانية والدين” (1998)، “الغرب المنقسم” (2006)، “جدل العلمانية” (2007) و “تاريخ الفلسفة” (2019).

درس هابرماس الفلسفة والاقتصاد والأدب الألماني بين عامي 1949 و1954، وبدأ حياته المهنية صحفيا مستقلا، لكن كتاباته المبكرة جذبت انتباه الفيلسوف تيودور أدورنو، أحد أبرز مؤسسي مدرسة فرانكفورت الفكرية مع ماكس هوركهايمر.

وكانت هذه المدرسة الفكرية تسعى إلى فهم الأسباب التي جعلت المجتمعات الحديثة، رغم تقدمها الفكري، تنزلق نحو أنظمة استبدادية مثل النازية.

استدعى أدورنو هابرماس للعمل في معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت، حيث بدأ تطوير أفكاره حول ما يعرف بالتحليل النقدي للمجتمع، وهو منهج فكري يهدف إلى كشف آليات الهيمنة والأفكار الأيديولوجية داخل المجتمعات.

لكن بسبب خلافات فكرية مع مدير المعهد هوركهايمر، اضطر هابرماس إلى تقديم أطروحته للتأهيل الجامعي في جامعة ماربورغ. وبعد عامين عاد إلى فرانكفورت ليشغل منصب أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع خلفا لهوركهايمر.

لم يكن هابرماس مفكرا منعزلا في برج عاجي، بل كان حاضرا بقوة في النقاشات السياسية، وقد أثارت بعض كتاباته جدلا واسعا بسبب تأثيرها السياسي، حتى وإن اشتكى طلابه أحيانا من صعوبة لغته الفلسفية.

خلال أواخر الستينيات تحولت مدينة فرانكفورت إلى أحد مراكز الاحتجاجات الطلابية في أوروبا، وكان كثير من نشطاء حركة عام 1968 ينظرون إلى هابرماس باعتباره مرشدا فكريا لهم.

لكن عندما اتجهت الحركة نحو مزيد من الراديكالية، ابتعد عنها، وفي كتابه “الثورة الزائفة وأبناؤها” انتقد بشدة بعض أساليب الحركة واعتبرها نوعا من الفاشية اليسارية، وهو موقف أثار غضب كثير من اليساريين في ألمانيا.

وفي عام 1971 انتقل هابرماس إلى مدينة شتارنبرغ قرب ميونيخ ليعمل مديرا مشاركا في معهد ماكس بلانك، وهناك نشر عام 1981 أهم أعماله الفكرية “نظرية الفعل التواصلي”.

وفي هذا العمل حاول تفسير كيفية عمل المجتمعات الحديثة، معتبرا أن اللغة والحوار هما الأساس الذي يقوم عليه التفاهم الاجتماعي. ومن هنا طرح أفكاره حول قوة الحجة الأفضل وإمكانية الوصول إلى نقاش ديمقراطي خالٍ من الهيمنة.

عاد هابرماس إلى فرانكفورت عام 1983 حيث استمر في تدريس الفلسفة حتى تقاعده عام 1994، لكن تقاعده لم ينه حضوره في النقاشات العامة. فقد استمر في كتابة المقالات والتدخل في القضايا السياسية.

وفي عام 1999 دعم التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في حرب كوسوفو، معتبرا أن الدول الديمقراطية قد تضطر في بعض الحالات إلى تقديم مساعدة إنسانية مشروعة وفق القانون الدولي.

كما كان من أبرز المدافعين عن مشروع الوحدة الأوروبية، لكنه في الوقت نفسه انتقد ما اعتبره نقصا في الديمقراطية داخل الاتحاد الأوروبي، وخلال أزمة اليورو دعا إلى توسيع الاتحاد النقدي الأوروبي ليصبح شكلا من أشكال الديمقراطية فوق الوطنية تتقاسم فيه الدول السيادة.

وفي سنواته الأخيرة عبر هابرماس عن قلقه من الوضع الدولي المتوتر، ففي كتاب صدر عام 2024 بعنوان “كان يجب أن يصبح شيء ما أفضل…” انتقد ما وصفه بسيطرة منطق الحرب على تفكير النخب السياسية في الغرب.

كما رأى أن الغرب لم ينجح في تقديم مبادرة مبكرة لوقف الحرب في أوكرانيا بعد الغزو الروسي، محذرا من أن استمرار الحرب دون أفق واضح قد يجعل مصير أوكرانيا مرتبطا بنتائج الانتخابات الأمريكية.

خلال مسيرته الطويلة حصل هابرماس على عدد كبير من الجوائز والتكريمات تقديرا لإسهاماته الفكرية. كما كتب عن أعماله أكثر من 14 ألف كتاب ودراسة ومقال، من بينها عدد كبير من رسائل الدكتوراه.

وكان عضوا في عدد من الأكاديميات العلمية في دول عدة مثل الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل.

بل إن تأثيره تجاوز حدود الأرض نفسها، إذ أطلق اسمه عام 1999 على كويكب اكتشف في أطراف النظام الشمسي.

وهكذا، حتى بعد رحيله، سيبقى اسم يورغن هابرماس حاضرا في تاريخ الفلسفة الحديثة، باعتباره أحد أبرز المفكرين الذين حاولوا فهم المجتمع والدفاع عن الديمقراطية في عالم معقد ومتغير.

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

بيت الفلسفة

المهدي مستقيم ضمن ضيوف حفل افتتاح «بيت الفلسفة» في الفجيرة

يضم بيت الفلسفة قاعة الكِندي المجهزة بأحدث التقنيات وأكثرها تطورا، ومكتبة البرقاوي الفلسفية التي سوف …