عندما يصبح الخوف محركا للعملية الإبداعية في السينما

ليست السينما فعلا إبداعيا خالصا منفصلا عن القلق والشك والمخاطرة فخلف كل صورة تتحرك على الشاشة وكل شخصية تتنفس داخل فضاء حكائي وكل مشهد يترك أثره في وجدان المتلقي يوجد خوف ما…

“العمل الفني هو ذاك الشيء الذي يمنح المتلقي حرية التأويل والعمل العظيم هو الذي يثير أكبر عدد ممكن من التأويلات”.. مفهوم كتاب “العمل المفتوح -l’Œuvre Ouverte” لـ أومبرتو إيكو Umberto Eco…

نبض القاعات 4: هشام الودغيري

بينما أنا أشاهد الفيلم الوثائقي “بعيون مغربية” – Five Eyes 1 للمنتج والمخرج كريم الدباغ للمرة الثانية (الأولى بمهرجان مراكش الدولي للفيلم 2025 والثانية بقاعة الفن السابع 2026)، كان لي نفس انطباع الإعجاب بعمل متقون، ذو قوة سرد سينمائية عبر شكلها الوثائقي. هذه النوعية السَّامية من السينما تفتح لي آفاق تفكير شاسعة في ماهية السينما. من هنا أبسط فكرة “الخوف” كمُوَلِّد للفعل السينمائي.

من السيناريست إلى المخرج مرورا بالمنتِج

ليست السينما فعلا إبداعيا خالصا، منفصلا عن القلق والشك والمخاطرة. فخلف كل صورة تتحرك على الشاشة، وكل شخصية تتنفس داخل فضاء حكائي، وكل مشهد يترك أثره في وجدان المتلقي، يوجد خوف ما. قد يكون خوفا من الفشل، أو من سوء الفهم، أو من انكشاف الذات، أو من خيانة الواقع، أو من أن يتحول المشروع السينمائي إلى نسخة باهتة من أفكار سبق إنتاجها. غير أن هذا الخوف، بدل أن يكون دائمًا عائقًا، قد يتحول إلى قوة دافعة، وإلى طاقة نقدية وجمالية تُسْهم في بناء العمل السينمائي منذ لحظة الكتابة الأولى حتى لحظة عرضه أمام الجمهور.

انطلاقا من تجربة فيلم كريم الدباغ 2 حول شخصية بول بولز Paul Bowles (الكاتب الأمريكي الشهير والمقيم بطنجة منذ 1947) وعلاقته بمدينة طنجة وكُتَّابها، يمكن النظر إلى الخوف باعتباره عنصرًا مركزيًا في العملية الإبداعية. ففيلم “بعيون مغربية – Five Eyes”  لا أظنه نشأ فقط من رغبة في الحكي، وإنما من مواجهة مجموعة من الأسئلة المُقْلقة التي يتعرض لها كل مُبدع: كيف يمكن تمثيل شخصية غائبة؟ كيف يمكن نقل أثرها باستعراض المدينة والذاكرة والشهادات؟ كيف يمكن الجمع بين الوثيقة والتخييل؟ وكيف يستطيع السينمائي أن يحافظ على صدق التجربة، من دون أن يسقط في التقريرية أو في إعادة إنتاج صورة سياحية جاهزة عن طنجة وعن كُتَّابِها المشهورين؟

إن الخوف هنا ليس انفعالًا فرديًا فحسب، بل هو بنية تشتغل داخل مختلف مراحل الإنتاج السينمائي، وتَطال السيناريست والمخرج والمنتِج، بل تمتد إلى الممثلين/المتدخلين والشهود والموسيقيين وكل من يشارك في صناعة الفيلم.

السيناريست، أو الخوف من الصفحة البيضاء

يبدأ الخوف في السينما غالبًا من الورق. فالسيناريست يواجه الصفحة البيضاء بوصفها فضاء مفتوحا على احتمالات لا نهائية (في مشهد نرى الدباغ مُنكب على الكتابة أمام شاطئ بطنجة). وفي هذه اللحظة لا أظن أن الكاتب يخاف من غياب الفكرة فقط، بل يخاف أيضًا من عدم قدرته على تحويل الفكرة إلى عالم قابل للرؤية والتجسيد. إن الحكاية، قبل أن تصبح فيلمًا، تكون معرضة للضياع بين اللغة والصورة، وبين ما يتخيله الكاتب وما يستطيع الفيلم أن يقدمه فعليًا.

في وثائقي الدباغ، يتخذ هذا الخوف شكلًا أكثر تعقيدًا، لأن السيناريو لا يشتغل على شخصية متخيلة بالكامل، بل على شخصية حقيقية، وعلى ذاكرة جماعية وشهادات ووثائق وأمكنة. وهذا يعني أن الكتابة لا تتحرك في مجال الحرية المطلقة، بل تصطدم بمسؤولية أخلاقية تجاه الشخصيات والأحداث والذاكرة. فالسيناريست يخشى أن يختزل بول بولز في صورة نمطية، أو أن يحوِّله إلى مجرد كاتب أجنبي مفتون بمدينة شرقية، أو أن يجعل طنجة خلفية زخرفية لحكاية لا تنتمي إليها فعليًا، أو يسقط في الكليشيهات العالقة بصورة بول بولز الثري البوهيمي الذي يعشق الجنس والمخدرات والمغامرات. الدباغ يحاول بذلك تجاوز المألوف بحثا عمَا وراء الأثر التِّذكاري la trace mémorielle محاوَلة منه إنقاذ ما هو مُقدَّر له أن يزول (يوَثق أرشيفا فيلميا نادرا). من هنا يصبح “الخوف” وسيلة للبحث سينمائيا (لا كموضوع، بل كهاجس). إنه يَدفع الكاتب/السيناريست إلى مُساءلة المادة التي بين يديه، وإلى التقاط التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في السرد العام (المرئي واللامرئي / المسموح بقوله والمكبوت). عوض أن يكتفي بالمعلومات المتداولة، يبحث عن الشهادات الشخصية (هنا لمحمد شكري ومحمد لمرابط وغيرهما – خمسة عيون/شهادات)، وعن الأمكنة التي احتفظت بآثار الشخصية، وعن الأصوات التي يمكن أن تضيء جوانب غير معروفة منها. فالخوف من السطحية يقود إلى التعمُّق، والخوف من التِّكرار يدفع إلى ابتكار زاوية جديدة للسرد.

ثم إن الخوف من خيانة “الحقيقة” يفرض على السيناريست التمييز بين الوثيقة والتفسير. فالفيلم الوثائقي لا يُقدم الواقع كما هو، لأن الواقع لا يدخل الشاشة من دون اختيار وترتيب وحذف. كل مقابلة، وكل صورة، وكل صمت، وكل انتقال بين مشهدين، يمثل قرارًا تأويليًا. لذلك لا تكون الكتابة الوثائقية مجرد جمع للمُعطيات، بل بناءً لمسار درامي يسمح للحقيقة بأن تظهر بالاستفادة التوتُّر والتناقض وتعدد وجهات النظر.

من الخوف إلى بناء الشخصية

تمنح الكتابة السينمائية للخوف وظيفة أخرى، تتمثل في بناء الشخصية. فالشخصية لا تُصبح مؤثرة لأنها كاملة أو خالية من العيوب، بل لأنها تحمل صراعًا داخليًا. ومن خلال هذا الصراع يستطيع المتلقي أن يتعرف إلى نفسه فيها. لذلك فإن الكاتب/السينمائي الذي يخاف من تقديم شخصية مسطَّحة أو مثالية، يجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن هشاشتها، وعن تناقضاتها، وعن لحظات ضعفها.

في حالة بول بولز، كما يعرضها الوثائقي، لا تقوم الشخصية على صورة الكاتب المعروف فقط، بل على إنسان يواجه العُزلة والقلق والاغتراب والبحث عن معنى (لَهُ في الحياة). وتصبح طنجة، في هذا السياق، أكثر من مجرد مكان للإقامة أو خلفية للأحداث. إنها فضاء نفسي (لامرئي)، ومرآة لصراع الشخصية مع العالم ومع ذاتها. فالمدينة لا تظهر باعتبارها منظرًا خارجيًا، بل باعتبارها عُنصرًا فاعلًا في تشكيل التجربة (كما صَوَّرَ الدباغ شخوصه بلقطات مقربة وحميمية، كذلك فعل مع طنجة المدينة وكأنها الشاهد السادس لسرده، دون صور عريضة plan large ودون فلكلور كارطبوسطالي، بل قدمها كمتاهة ذهنية).هذه الطريقة في بناء الشخصية تجعل الخوف جزءًا من الدراماتورجيا (شكل من تجميل معاناة الآخرين Esthétisation de la souffrance d’autrui). فالشخصية التي تخشى فقدان صوتها، أو تخشى الموت، أو تخشى أن تتحول حياتها إلى مادة للنسيان، تتحول إلى مركز توتر داخل الفيلم هنا. وكلما اقترب السيناريو من هذا القلق الجوهري، ازداد عمق الشخصية وابتعدت عن النموذج التقريري (عيون بول بولز وضحكاته وهو في فراشه).

المخرج، أو الخوف من تحويل الفكرة إلى صورة

إذا كان السيناريست يخاف من أن تفشل الفكرة في الكتابة، فإن المخرج يخاف من أن تفشل الصورة في التعبير عنها. فالمخرج لا يتعامل فقط مع شخصيات وأحداث، بل مع فضاء وزمن وإيقاع وصوت وكتلة ضوئية. وهو يعرف أن السيناريو، مهما كان متماسكًا، لا يضمن وحده نجاح الفيلم. لذلك فإن الانتقال من النص إلى الصورة يمثل لحظة أخرى من القلق/المأزق الإبداعي.

يواجه المخرج/الدباغ في الفيلم الوثائقي سؤالًا أساسيًا: كيف يُصور ما لا يمكن اسْتِعَادته؟ فبول بولز لم يعد حاضرًا أمام الكاميرا (بدأ تصوير الفيلم سنة 1999، وتوفي بول في نفس السنة)، والأمكنة التي عاش فيها تغيرت، والذاكرة لا تقدِّم نفسها في صورة واحدة. لذلك يتعين على المخرج أن يبحث عن بدائل بصرية وسمعية: صور الأرشيف، الأمكنة، الشهادات، التفاصيل المعمارية، الصمت، حركة الشوارع، والوجوه التي تحمل شيئًا من أثر الماضي.

هنا يتحول غياب الشخصية إلى حضور سينمائي بامتياز. فعدم ظهور بول بولز بشكل مباشر لا يعني غيابه عن الفيلم، بل يسمح ببناء حضوره عبر أصوات الآخرين وعبر الأمكنة وعبر الأشياء. بعفوية شاعرية يُتابع المخرج تركيبه على خيط منولوغات وحوارات عفوية وكأن الناطق يتوجه بكلامه مباشرة للمُشاهد. حتى الشريط الموسيقي به خيط شعري هامِس يمزج ببراعة بين أغاني الفلكلور والجاز. إن المخرج هنا لا يحاول إعادة تمثيل الشخصية بطريقة مباشرة، بل يترك آثارها تتجمع تدريجيًا داخل وعي المتلقي. وهذا الاختيار الجمالي لا يُنْتَج عن اليقين، بل عن الخوف من التبسيط والتزييف. يفسر ذاك من وجهة نظر فلسفية ونفسية، بكون فعل التَّصوير تحت تأثير الخوف يُغير بشكل عميق بنية النظرة والوعي والعلاقة بالآخر.

الخوف من الصورة السياحية

من أكبر المخاوف التي تحكم تصوير طنجة، الخوف من الوقوع في الصورة السياحية الجاهزة. فالمدينة ارتبطت في المِخيال العالمي بصور متعددة، منها المدينة الغامضة، والمدينة الكوسموبوليتانية، بكل أطيافها الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية (كان لمدينة طنجة نظام حماية دولي فريد بين عامي 1923 و1956)، والمدينة التي تجذب الكُتاب والفنانين والغرباء كبيت العنكبوت. غير أن إعادة إنتاج هذه الصور من دون مُساءلة قد تجعل الفيلم أسيرًا لنظرة خارجية، وتحوِّل طنجة إلى ديكور exotic بدل أن تكون فضاءً تاريخيًا وإنسانيًا معقدًا في تجلياته البصرية والمِخيالية.

إن المخرج الذي يخشى هذا الاختزال يبحث عن طنجة اليومية، عن الأسواق والأزقة والمقاهي والواجهات والبيوت، ولكن أيضًا عن صمتها وعن تحولات سكانها وعن التوتر بين ذاكرتها وصورتها المعاصرة. فالمدينة لا تُختزل في المكان الذي عاش فيه الكاتب، ولا في الحكايات التي ارتبطت به، بل تتجاوز ذلك إلى حياة كاملة ظلت قائمة قبل حضوره واستمرت بعده (أذكر هنا شريط ياسين فنان الأخير “نمل”، إنتاج 2025، الذي قدَّم طنجة بطريقة سينمائية جد مُوفقة).

بهذا المعنى، يصبح الخوف من الصورة الجاهزة عامِلًا لتحرير الصورة السينمائية بتجلي إيجابي. فهو يدفع المخرج إلى اعتماد زوايا غير متوقعة (محمد شكري مَسوقا في سيارة)، وإلى منح المكان زمنه الخاص (مشهد الحضرة/الجذبة مع فرقة جيلالة)، وإلى الإصغاء إلى أصوات لا تظهر عادة في السرد الرسمي (صوت سرد الدباغ نفسه). كما يفتح المجال أمام صورة أكثر تركيبًا، تجمع بين صور المدينة وتوتراتها، بين الذاكرة والنسيان، وبين الحضور والغياب (محمد شكري يحكي عن ولادة “الخبز الخافي”، بإيعاز من ناشر بول بولز، ويعترف بأنه أول كِتاب له). كما قد تعتري عملية الخوف من الصورة تفاقم الخوف الفطري من الخطر Fear Of Missing Out بسبب مثلا، ضياع المادة المُصَوَرَّة عن طريق اتلاف الشريط خلال عملية التحميض، أو الخوف من تأطير اللقطة بشكل غير صحيح.

المنتِج، أو الخوف من المخاطرة

لا يقتصر الخوف على المجال الجمالي، بل يمتد إلى المجال الإنتاجي. فالمنتج يواجه احتمالًا مزدوجًا: احتمال ألا ينجح الفيلم فنيًا، واحتمال ألا يجد طريقه إلى الجمهور. وفي السينما الوثائقية، يتضاعف هذا القلق، لأن المشاريع التي تقوم على الذاكرة والتأمل لا تقدم دائمًا ضمانات تجارية واضحة.

يَخشى المنتِج (مخرج شريطنا هو أيضا منتجه) من غموض الموضوع، ومن طول مرحلة البحث، ومن صعوبة العثور على مواد أرشيفية، ومن محدودية الميزانية، ومن أن يتحول الفيلم إلى عمل نخبوي مُغلق على جمهور متخصص. لكنه، في الوقت نفسه، يدرك أن المغامرة هي جزء من طبيعة الإنتاج السينمائي. فالأفلام التي تكرر الصيغ المضمونة قد تكون أقل خطرًا من الناحية المالية، لكنها لا تضمن بالضرورة قيمة فنية أو أثرًا طويلًا.

غير أن هذا الخوف قد يتحول إلى سُلطة خانقة إذا أصبح المنتِج أسيرًا له. عندما يتحول القلق من الخسارة إلى تدخل دائم في مضمون الفيلم، قد يفقد العمل جرأته (حالات عدَّة لأفلام مغربية خرجت هجينة بعد تدخُّل الصناديق الداعمة له والشريكة في إنتاجه). لذلك فإن دور المنتِج لا ينبغي أن يقتصر على إلغاء المخاطرة، بل تدبيرها. فالمنتج الناجح هو الذي يحول الخوف إلى شروط عمل، لا إلى رقابة على الخيال. (انطلق إنتاج الوثائقي سنة 1999 ولم ير نور العارض إلا سنة 2025 بالمهرجان الدولي للفيلم بمراكش).

الخوف من الجمهور والنقد

يواجه صناع الفيلم أيضًا خوفًا آخر، هو الخوف من الجمهور والنُّقاد. فكل عمل سينمائي يخرج لزوما من دائرة أصحابه ليصبح موضوعًا للتأويل والحكم. وقد يخشى السيناريست أن يُساء فهم نصِّه، ويخشى المخرج أن يُقرأ الفيلم خارج مقاصده، بينما يخشى المنتِج أن يفشل العمل في الوصول إلى المتلقي.

لكن هذا الخوف قد يكون إيجابيًا إذا دفع صُناع الفيلم إلى بناء خطاب واضح، من دون الوقوع في التفسير المباشر (الشيء الذي تفوق فيه “بعيون مغربية – Five Eyes”. فالعمل الذي يضع الجمهور في اعتباره لا يعني بالضرورة أنه يُرضي ذائقته أو يقدم له أجوبة جاهزة. يمكن للفيلم أن يحترم المتلقي عبر منحه مساحة للتأمل، وعبر ترك بعض الأسئلة مفتوحة، وعبر الاعتراف بأن الحقيقة لا تأتي دائمًا في شكل/قالب واحد.

في الفيلم الوثائقي، تصبح العلاقة بالجمهور أكثر تعقيدًا، لأن المتلقي يتوقع نوعًا من الحقيقة. لذلك ينبغي أن يحافظ العمل على توازنه بين الوثيقة والتأويل، وبين الشهادة والرؤية، وبين الواقع والبناء الفني. والخوف من فقدان هذا التوازن يمكن أن يقود إلى لغة سينمائية أكثر دقة، وإلى انتباه أكبر للأرشيف والصوت والمونتاج.

الخوف الأخلاقي ومسؤولية التمثيل

ثمّة خوف آخر لا يمكن تجاهُله، هو الخوف الأخلاقي. فحين يصور الفيلم حياة شخص حقيقي، أو يستعيد ذاكرة جماعية، لا يعود الأمر مجرد تمرين جمالي. يصبح السؤال متعلقًا بحقوق الأشخاص، وبحدود الكشف، وبإمكان تحويل المعاناة أو الخصوصية إلى مادة للفرجة (أتذكر هنا مأزق شريط “كذب أبيض”، إنتاج 2023). الخوف الأخلاقي يفرض على المخرج والسيناريست والمنتج أن يسألوا: من يتكلم؟ ومن يملك حق الكلام؟ هل تمثل الشهادات أصحابها أم تستعمل فقط لخدمة بناء درامي؟ هل يحافظ الفيلم على تعقيد التجربة أم يستغلها لإنتاج أثر عاطفي سريع؟ وهل يمنح الشخصيات حق الاختلاف، أم يجعلها مجرد أدوات لإثبات فكرة مسبقة؟

هناك أيضا درجة الخوف من التلصص التي تدفع بصانع الأفلام الوثائقية الحذِق إلى البحث عن المسافة الأخلاقية الصحيحة، أي متى يتم القطع، ومتى يتم تصوير ما هو خارج الشاشة، أو متى يتم خفض الكاميرا احتراماً للكرامة الإنسانية (الشيء الملموس عند الدباغ).

هذه الأسئلة لا تُعَطِّل الإبداع، بل تمنحُه عمقًا. فالفيلم الذي يعي مسؤوليته الأخلاقية يكون أكثر قدرة على بِناء علاقة ثقة بالجمهور. كما أن احترام الشخصيات لا يعني تقديمها بصورة مثالية، بل يعني منحها حق الظهور في تناقضاتها، في ضعفها، في صمتها وفي المساحات التي لا ترغب في كشفها. هنا جانب الدباغ التطرق للميل الجنسي للمثلية عند بول بولز ومن معه، ربما خوفا من تفكيك الأسطورة/الهالة الأدبية عن صديقه بول بولز (وهو اختيار ربما ضيَّع عليه تهافت المنتجين والجوائز التي تتغدى على مناصرة هذه النوعية من الأفلام التي تناصر أقليات منبوذة، لا ديمقراطيا، حتى في الغرب).

بين الخوف الخَلَّاق والخوف المُعَطِّل

مع ذلك، لا ينبغي تمجيد الخوف بشكل مُطلَق. فهناك خوف خَلَّاق، وهناك خوف مُعَطِّل. الخوف الخلاق هو الذي يفتح الأسئلة، ويحفز البحث، ويدفع إلى التجريب والمراجعة. أما الخوف المعطل فهو الذي يقود إلى التردد المستمر، وإلى إرضاء الجميع، وإلى تجنب كل قرار قد يحمل مُخاطرة (فكرية وإنتاجية). يظهر الخوف الخلاق عندما يَسأل الكاتب إن كانت الشخصية قد حصلت على حقها في التعقيد، وعندما يَسأل المخرج إن كانت الصورة تعبر عن المكان حقًا، وعندما يَسأل المنتج إن كانت شروط الإنتاج تحمي الفكرة بدل أن تخنقها. أما الخوف المعطِّل فيظهر عندما يتحول كل قرار إلى تنازل، وعندما تخضع الرؤية الفنية لمنطق السوق وحده، أو عندما يتم حذف كل ما هو مُقلق بحجة ضمان القبول.

إن الإبداع السينمائي يحتاج إلى قدر كبير من المُخاطرة. فلا يمكن صناعة فيلم حقيقي من دون الاقتراب من مناطق عدم اليقين. وفي هذا المعنى، يصبح الخوف شرطًا من شروط الجُرأة، لأن الجرأة لا تعني غياب الخوف، بل تعني القدرة على العمل بالرغْم من وجوده. أسجل هنا نسبية الجرأة المتدنية عند الدباغ في طمسه الجانب الجنسي/المثلي عند بول بولز، الشيء (ولو تلميحا)، الشيء الذي لم يُؤثر على مسار سرد الوثائق، ولعل الدباغ ابتكر بذلك عالم سينمائي/روائي مع الكثير مِمَّا لَمْ يُقَلْ the unspoken.

الخوف بوصفه ذاكرة في تجربة الفيلم المتعلق ببول بولز وطنجة هنا، يُظهر الخوف أيضًا بوصفه خوفًا من النِّسيان. فالسينما لا تستعيد الماضي لكي تغلقه، بل لكي تمنحه فرصة جديدة للظهور. وكل فيلم عن شخصية راحلة أو مدينة متحولة هو محاولة لمواجهة الزمن. إن الدباغ يسجل هنا خشيته أن تضيع الأصوات، وأن تختفي الأمكنة، وأن تتحول التجارب إلى معلومات باردة في الكتب وأن تذهب كأمواج البحر مع هبوب الرياح (الريح والبحر يؤثثان سرد الشريط).

من هنا تؤدي السينما وظيفة “مقاومة النِّسيان”. فهي لا تحفظ الماضي بطريقة أرشيفية فقط، بل تعيد تنظيمه داخل تجربة حِسِّية. الصورة تستعيد المكان، والصوت يعيد بناء الحضور، والمونتاج يربط بين أزمنة مختلفة، والشهادة تمنح الذاكرة جسدًا إنسانيًا.

لكن هذه المقاومة للنسيان لا تخلو من خوف. فكلما حاول الفيلم إعادة بناء الماضي، اكتشف أنه لا يستطيع استعادته كاملًا (مَشاهِد شَهادة محمد التمسماني). وما يظهر على الشاشة ليس الماضي نفسه، بل أثره، وما تبقى منه داخل الذاكرة والوثيقة والخيال. لذلك فإن الاعتراف بالنَّقص لا يُقلِّل من قيمة الفيلم، بل يمنحه صِدقه. فالفيلم لا يدَّعي امتلاك الحقيقة كاملة، وإنما يقترب منها عبر الشظايا، عبر الحنين للحظات مضت، عبر ومضات العيون الشاهدة (نظرات الدباغ نفسه في الفيلم أيضا).

خاتمة: حين يصبح الخوف شكلًا من أشكال الشجاعة

لا يتحرك الإبداع السينمائي دائمًا بدافع الثِقة واليقين. في كثير من الأحيان، يبدأ حتما من الخوف: خوف السيناريست من ألا يجد اللغة المناسبة، وخوف المخرج من ألا ينجح في تحويل الغياب إلى حضور، وخوف المنتج من ألا يجد المشروع طريقه إلى الجمهور. غير أن هذه المخاوف، حين تُدار بوعي، تتحول إلى قوة إبداعية (يقول محمد شكري بالشريط: إن أدب بول بولز يدور حول فكرة مهمة مفادها أن مُحَرِّك العالم ليس الحُب، بل الخوف). إن الخوف في السينما ليس نقيضًا للإبداع، بل قد يكون أحد شروطه. إنه يجعل الكاتب أكثر انتباهًا إلى شخصياته، ويجعل المخرج أكثر حساسية للصورة، ويجعل المنتج أكثر وعيًا بمسؤوليته. كما أنه يفتح المجال أمام أفلام لا تكتفي بتقديم أجوبة، بل تجعل من القلق نفسه موضوعًا/هاجسًا فنيًا خلَّاقًا.

بالنهاية، لا يكون الفيلم العظيم هو الفيلم الذي يخلو من الخوف، بل الفيلم الذي يعرف كيف يُصغي إليه. فالخوف من الفشل قد يقود إلى مزيد من البحث، والخوف من التزييف قد يقود إلى الصِّدق، والخوف من النسيان قد يقود إلى حفظ الذاكرة، والخوف من الصورة الجاهزة قد يفتح الطريق نحو صورة أكثر حرية وتعقيدًا.

في هذا الباب، يمكنني القول: إن العملية الإبداعية في السينما تبدأ غالبًا من “سؤال خَائِف”، لكنها لا تَبْلُغ اكتمالها إلا عندما يتحول هذا الخوف إلى صورة، وصوت، وشخصية، وذاكرة، وأثر يبقى بعد انتهاء العرض (كذلك كان “بعيون مغربية – Five Eyes”).

ويعلق بذهني، بعد مشاهدة هذه “الوثيقة التُّحفة”، السؤال الثقافي المغربي بامتياز: هل المبدعون المغاربة يلزمهم المرور من الأجنبي ليكسِبون صك اعتراف مواطنيهم؟

معلومات:

  • “بعيون مغربية – Five Eyes” هو فيلم وثائقي مغربي من إخراج، إنتاج وسيناريو كريم الدباغ – إنتاج 2025. يسلط الضوء على دائرة ثقافية وفنية تجمع بين شخصيات بارزة مثل الكاتب الكبير محمد شكري، والفنان التشكيلي والراوي محمد المرابط، إضافة إلى سائق بولز محمد التمسماني ومرافقه في عهده الأخير عبد الواحد بولعيش. بُرمج الشريط كعرض عالمي أول في مهرجان مراكش الدولي للفيلم عام 2025 ضمن فقرة “بانوراما السينما المغربية”. يتضمن الوثائقي حوارات نادرة أجراها المخرج عام 1999 مع صديقه بول بولز قبل رحيله، إضافة لحوارات/شهادات ثانية صورها ابتداء من عام 2000 مع محمد شكري ومحمد التمسماني وعبد الواحد بولعيش ومحمد المرابط. ثم تصوير الفيلم أنداك بآلة “السوبر 16 كوداك”.
  • كريم الدباغ، وُلِد في طنجة بالمغرب، عام 1972. اكتشف عالم السينما بجانب صديقه ومرشده، الكاتب والملحن الأمريكي بول بولز. بعد دراسة الأدب الإنجليزي في تطوان، تابع تدريبه في أكاديمية الفيلم في بادن-فورتمبيرغ في لودفيغسبورغ بألمانيا، حيث تخرج كمنتج سينمائي. في عام 2005، أسس شركة كازبا فيلمز Kasbah Films، التي أصبحت واحدة من أبرز شركات الإنتاج في المغرب (منقول من موقع مهرجان الرباط السينمائي). له تجربة إخراج سابقة محورها أيضا بول بولز “رؤوسهم خضراء وأيديهم زرقاء -Their Heads are Green and Their Hands are Blue”، إخراج مشترك مع جاي بولغرJay Bulger، إنتاج 2021 في 70 دقيقة.

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

مستقبل السينما المغربية بين “إعلان لوميير” ومشروع “الفعل من أجل التربية الفنية”

مستقبل السينما المغربية.. أي صورة نريد أن ننتج؟ وأي جمهور نريد أن نكون؟… لا يكفي …