الثقافة في الأفلام السينمائية

الإخناوي يقتفي أثر “الثقافة المصرية في الأفلام السينمائية”

بيت الفن

يستعرض كتاب كمال محمود الإخناوي “الثقافة المصرية في الأفلام السينمائية” الصادر عن دار صفصافة كيف كانت السينما المصرية هي المرآة التي تعكس صورة المتغيرات الثقافية للمجتمع، وكيف كانت بمثابة البوتقة التي تنصهر فيها ثقافة المجتمع؟ ومحاولا بسط، ورصد، وتحليل أهم ملامح المتغيرات الثقافية المصرية في عدة ظواهر اجتماعية سواء سياسية، أو دينية، أو اجتماعية.. إلخ من خلال مقارنتها في كثير من الأفلام التي أظهرت تلك الظواهر وتركت أثرا واضحا في حياتنا.

يرى الإخناوي أن أي عمل إبداعي هو نبض النهضة الثقافية التي تحملها مجموعة من الناس في مجتمعهم المحلي والقومي معبرين فيها عما يجول بخاطرهم وفكرهم سواء على المستوى الإدراكي أو على مستوى اللاوعي، ومن ثم ينقلوها ويورثوها ويتوارثوها من جيل لآخر؛ فهذا الفن أو ذاك هو ضمير الأمة وتتأصل فيه خصالها الدينية، والثقافية، والعلمية، والمعرفية، وغيرها من إدراكات محسوسة ومجازية. وكل هذا وذاك من فنون مختلفة يصب في الأفلام، كونها البوتقة التي تنصهر فيها كل مقومات فهم واستيعاب الثقافة. وحين نتحدث عن الثقافة المصرية، سنجد أن السينما المصرية زاخرة بتنوعات ومقومات ثقافتنا بحلوها ومرها. فالأفلام جامعة وحاوية لمعظم أو كل الفنون؛ فالأديب الكاتب كتب القصة أو الرواية، وتناولها مبدع آخر في كتابة الحوار والسيناريو، وتناقلتها أيدي مبدعين آخرين ابتداء من فريق التصوير والانتاج، ومرورا بفريق الديكور والإضاءة، والموسيقى التصويرية وغيرهم وانتهاء بالمخرج ومساعديه؛ وبالطبع كل مبدع من هؤلاء أضاف بأنامله وخياله وإدراكاته التي تشبع بها من ثقافة مصرنا ما يجعل من تلك القصة أو الرواية شاملة حاوية كاشفة وضاحة نوراة لكل عناصر العمل الأدبي، لتكتمل لوحة عظيمة معجونة بالأصالة المصرية.

وقال إذا كنا نتحدث عن الأفلام على أنها المرايا التي تعكس ثقافة المجتمع، فلابد أن نتعرف على طبيعة المرآة ووظيفتها حتى يمكن إدراك كيف تظهر لنا الأفلام معبرة عن ثقافة ووجدان المجتمع. فوظيفة المرآة الأساسية هي عكس الصورة التي أمامها، وليس كما يجب أن تكون الصورة، فالمرآة تعكس صورة الشخص سواء كان وسيما أو قبيحا، كما أنها تعكس صورة الحديقة بصرف النظر عن تنسيقها وجمالها، أي أن المرآة لا تحول صورة الشخص الرث القبيح إلى شخص مهندم وسيم لأنه يجب أن يكون وجيها أو وسيما. ولكي تعكس المرآة الصورة كما هي، يجب أن يتوفر فيها بعض الشروط – بدونها أو بدون إحداها – قد لا تعكس الصورة، أو قد لا تعكس صورة واضحة المعالم. وكلما طبقنا تلك الشروط على المرآة، كلما كانت الصورة أوضح؛ وكلما طبقنا شروط وضوح تلك الصورة على الأفلام، وجدنا الأفلام معبرة عن واقع المجتمع كما هو وليس كما يجب أن يكون.

وأضاف الإخناوي أن أول شرط أن تكون المرآة لامعة، وثاني شرط أن تكون متوجهة للصورة، وثالث شرط أن يكون هناك نور، ورابع شرط أن تكون الصورة نفسها واضحة، وخامس شرط أن يكون الشخص أو المجتمع لديه الرغبة في رؤية الصورة؛ وبدون تلك الشروط أو إحداها، فقد لا تكون الصورة واضحة ومعبرة. فإذا كانت المرآة عليها غبار ولا تلمع، فلن تعكس الصورة أصلا أو قد تعكس صورة ضبابية غير واضحة، وكذلك الحال إذا كانت المرآة نظيفة ولامعة لكنها لا ترى النور أو في اتجاه الصورة. بعبارة أخرى، إذا كانت المرآة (الأفلام) لامعة، فهذا معناه أنها تعبر عن نبض المجتمع؛ وإذا كان عليها غبار، فهذا معناه أنها لم تعكس الصورة واضحة ولن تظهر ظاهرة من الظواهر الاجتماعية بشكل واضح.

وأشار إلى أن من يتابع السينما المصرية وأفلامها على مر الزمان، يستطيع أن يعرف تاريخ ثقافتها، والظواهر الاجتماعية التي كانت موجودة في فترة ما، ويمكن مقارنة الظواهر من خلال الفترات الزمنية المختلفة، وكيف كان المصريون يفكرون وعلى أي أساس كانوا يتخذون قراراتهم. فمثلا لم تظهر لنا الأفلام القديمة أن شخصا يلبس حزاما ناسفا ليفجر ويقتل آخرين يختلفون معه في الرأي أو العقيدة، وإنما ظهر ذلك حديثا في فيلم “كباريه” وفيلم “السفارة في العمارة” وفيلم “الإرهابي”، فذلك يدل على توافر كل الشروط وعرضت السينما الصورة كما أفرزتها الظاهرة الاجتماعية.

وعلى الجانب الآخر يمكن ملاحظة تمسك الناس ببركة الأولياء قديما وحتى في فيلم “قنديل أم هاشم” (1968) وفي فيلم “الليلة الكبيرة” (2014). ونظريا يمكن القول إن أية ظاهرة تظهر في المجتمع يجب أن نجدها في الأفلام، لكن هذا هو واقع الأفلام؟ وإذا كان هذا يحدث فعلا وعرضت السينما الظواهر الاجتماعية، أو السياسية، أو الدينية … إلخ والمشاكل التي تواجه المجتمع، فماذا فعل مجتمعنا لتلافي المشكلة؟ هل تقوم الدنيا ولا تقعد حتى يتم حل المشكلة كما يحدث في بعض بلدان العالم المتقدم؟ هل نكتفي بدور المتفرج الذي يشاهد الظاهرة السلبية ويكتفي بعلامات تعجب أم يكون لنا دور في إحداث تغيير إيجابي؟ كم عاما مضى على مشاكل الطلاق، وكم سيدة عانت الأمرين قبل وبعد فيلم “أريد حلا” (1975) حتى ظهر قانون الخلع؟ ومع الأخذ في الاعتبار أن هذا الفيلم كانت له أيدي بيضاء في إلغاء قانون حكم الطاعة بالبوليس، هل السينما أو المرآة عكست كل ظواهر ثقافتنا؟

وأوضح “إذا لم نجد فيلما يعبر عن ظاهرة حقيقية في المجتمع، فهذا قد يشير إلى عدة احتمالات، معظمها راجع للشروط التي ذكرناها أعلاه؛ يعني إما أن المرآة لم تكن لامعة، أو أن المبدع أو الروائي أو الكاتب .. إلخ لم يكن على دراية كافية بمتغيرات المجتمع، أو أن المبدع لا يريد أن يرى الصورة، أو لم يجد النور الكافي في مناخ حرية التعبير لكي يعبر عن أي ظاهرة في المجتمع، أو أن المجتمع نفسه لم يكن واعيا أو مدركا لما يحدث في المجتمع من التعتيم الذي يعيشه المجتمع في بعض الأوقات. فكثيرا ما كان هناك دائما مشكلة بين المبدع والرقابة وعلاقتها برضاء النظام السياسي أو مؤسسات الدولة الدينية حول فكرة معينة أو قصة فيلم. وحينما يحدث هذا، فحينئذ نكون كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال اعتقادا منها أن الصياد لن يراها. فالمسؤول عن الرقابة والمصنفات الفنية هو في الأول والآخر موظف حكومي وليس مستقلا في رأيه أو فكره، لأنه لو أغضب ولاة الأمور، يمكن أن يصبح في خبر كان في لمح البصر ويعزل من منصبه بجرة قلم، أو يحال للمعاش، أو يتنقل لوظيفة أخرى تجعله صفرا على الشمال”.

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

السينما المصرية

الناقد طارق الشناوي: الأفلام المصرية الحالية لا تستحق المشاركة في الأوسكار

ليس من صالحنا التباهي بالاشتراك دون وجود عمل يستحق، لأن  الحضور في الأوسكار من أجل التواجد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Protected by Spam Master