سلمى مختار أمانة الله

سلمى مختار أمانة الله:  الكتابة تلبية لرغبات داخلية

استثمرت في “ولي النعمة” مجموعة من الاستعارات المجازية

والصور التعبيرية للهروب من جفاف التقريري إلى عذوبة الشاعري

بيت الفن

قالت الروائية سلمى مختار أمانة الله إن الكتابة كما تراها هي لحظة تجل نحاول أن نقبض عليها بشكل أو بآخر. وأضافت سلمى أنه حين تقرأ رواية كتبت منذ خمسين سنة فإنها تعيد إحياء شخوصها وأحداثها ومصائرها في ذهنها على الأقل، مبرزة في الحوار ذاته أن كل متورط في الكتابة يصعب عليه أن يتحدث عن وصفة سحرية يستعملها ليتمكن منها.. يكفي أن تملك جرعة كافية من الجنون بمفهومه الإبداعي والكثير من الصدق مع الذات. وبخصوص منجزها الروائي “ولي النعمة” أفادت أنها كتبت في كل الأجناس الإبداعية، انطلاقا من الشذرة أولا ثم القصة القصيرة جدا ثم القصة دون أن تستحضر مستوى الوعي على الأقل بالجنس الأدبي الذي تسعى لإبراز كتابتها من خلاله. لم يكن الشكل هاجسا بالنسبة لها بقدر ما كانت تركز على المحتوى والمضمون.

أولا من هي سلمى مختار أمانة الله؟

من أنا؟ سؤال وجودي صعب يتطلب معرفة حقيقية بالذات.. والحال أن ذاك الجهل بها ربما هو المحرك للنبش في أغوار السؤال أتحدر من أسرة مخضرمة الانتماء أب من أصول موريتانية وأم مصرية ولدت بالرباط انتقلت بعدها بحكم عمل والدي إلى مناطق مختلفة بجنوب المغرب..قبل أن أعود إليها لإتمام دراستي الجامعية، تخرجت من كلية الحقوق فرع قانون خاص جامعة محمد الخامس اشتغلت في الإدارة العمومية ولازلت. متزوجة وأم منشغلة بقضايا الإنسان، مسكونة بهمومه في صراعه مع نفسه أولا ثم في مواجهته لهذا العالم الذي غدا لقمة سائغة بين فكي المادة.

أكتفي بالقول في آخر هذا التعريف أن أقصى ما أتمناه هو الحفاظ على تلك الطفلة الصغيرة بداخلي، تلك التي تقبض على خيوط الدهشة كي لا ينفلت من بين يديها المعنى..

رواية “ولي النعمة” هي أول رواية تخطينها بعد مجموعتك القصصية الأولى “تي جي في”، كيف انتقلت من القصة إلى الرواية؟

لم تشكل الكتابة مشروعا أو هدفا أسعى لتحقيقه من خلال جنس أدبي معين، بقدر ما كانت تلبية لرغبات داخلية للتعبير عن مكنونات النفس من جهة والتفاعل مع ما يدور حولي من أحداث من جهة أخرى.. كتبت الشذرة أولا ثم القصة القصيرة جدا ثم القصة دون أن أستحضر على مستوى الوعي على الأقل الجنس الأدبي الذي أسعى لإبراز كتابتي من خلاله. لم يكن الشكل هاجسا بالنسبة لي بقدر ما كنت أركز على المحتوى والمضمون.

حفزني نشر المجموعة القصصية “تي جي في ” لاحقا بدعم من وزارة الثقافة إلى الاشتغال بشكل مختلف محاولة منح مساحة زمنية أكبر لتلك العوالم التي تسكنني ..كان من الطبيعي بعدها أن أنتقل إلى الرواية لما توفره هذه الأخيرة من فضاءات رحبة تستجيب لزخم الكتابة.

الرواية ذات نفس طويل، لكن ما يشد القارئ إليها ذلك الأسلوب الشعري الحالم، كيف استطاعت سلمى أن تزاوج بين أسلوبين واحد تقريري وآخر أشبه بالمتن الشعري النثري؟

لا يمكن أن نتحدث عن إبداع أدبي بعيدا عن اللغة، هي بمثابة الجسد للروح، وبالتالي كنت حريصة على أن تكون اللغة عنصرا أساسيا في رواية ولي النعمة، أولا لأني عاشقة كبيرة للغة العربية، مؤمنة بسحر معجمها، حاولت انطلاقا من ذلك الشغف استثمار مجموعة من الاستعارات المجازية والصور التعبيرية للهروب كلما سنحت الفرصة بالقارئ من جفاف التقريري إلى عذوبة الشاعري.. لم يكن ذلك بالأمر السهل دائما، خصوصا حين تتجاذباني بقوة صرامة السرد وتحليق الشعر. يبقى أن أشير أن أغلب النقاد الذين اهتموا مشكورين بقراءة رواية ولي النعمة اعتبروا أن اللغة تعد إحدى نقط قوتها.

تضمن متنك الروائي مستويين من اللغة، فصحى وعامية، كما أفسحت المجال للقارئ كي يبدي رأيه في الأحداث، ما المقصود من ذلك؟

بالفعل حضرت العامية أحيانا في سياقات معينة بالخصوص في حوار الشخوص. عن قناعة أولا بأنه لا يعقل مثلا أن نتصور حوارا يجري بين سمسارين أو نادل وزبونه بلغة فصحى. سيكون الأمر أبعد ما يكون عن المعيش اليومي، وبالتالي سيفصل القارئ عن واقعية هو يحتاجها كي يحيا داخل خيال الرواية. تطويع العامية لخدمة المتن الروائي في حدود معينة تقنية لجأ إليها العديد من الروائيين طبعا دون أن تلحق ضررا باللغة الأصلية للمكتوب.

إدماج القارئ وإقحامه داخل الحكي بطرح السؤال عليه أحيانا أو بالاعتذار منه وإشهاده أحيانا أخرى جاء نتيجة حضوره الفعلي أثناء ممارسة فعل الكتابة. القارئ أو المتلقي هو ذاك الحاضر دوما في ذهن الكاتب، الطرف الثالث بين النص وكاتبه من ثمة وجدتني منساقة خلف الرغبة في الكشف عنه إخراجه من خلف الستار، إقحامه بتلقائية لم يسبقها أي نوع من التكلف كلما وجدتني في حاجة لاستحضاره فعلت. نوع من الهروب إلى الأمام بلغة المعركة. أليست الكتابة بدورها نوع من المقاومة نخوضها ضد ذواتنا وضد واقع معين؟

 

يرى بعض النقاد ان الروائية سلمى أتت من النص القصصي، وتمكنت من تطويع الحكي، رغم أن رواية ولي النعمة ترتبط بزمن ومكان معينين، من أين اكتسبت هذه التقنية في التأليف، وما هي حديقتك الخلفية التي سلكت منها إلى دروب الإبداع؟ وبصيغة أخرى كيف كانت البدايات؟ ومن هم الأشخاص الذين شكلوا مرجعيتك، وساهموا في بناء تصورك للواقع؟

الكتابة كما أراها شخصيا هي لحظة تجلي نحاول أن نقبض عليها بشكل أو بآخر. نحاول أن نمدد تلك اللحظة المحددة بزمان معين لتتسع لأزمنة متعددة.. حين أقرأ مثلا رواية كتبت منذ خمسين سنة فأنا أعيد إحياء شخوصها وأحداثها ومصائرها في ذهني على الأقل ..من ثم فكل متورط في الكتابة يصعب عليه أن يتحدث عن وصفة سحرية يستعملها ليتمكن منها.. يكفي أن تملك جرعة كافية من الجنون بمفهومه الإبداعي والكثير من الصدق مع الذات.

طبعا لا توجد كتابة خالية من حمولة معرفية وثقافية ..إرث اجتماعي وتجارب حياة عبرها بغير قليل من الالتقاط ..كل هذا ساهم في دفعي بشكل أو بآخر لخوض غمار الكتابة، بالإضافة طبعا لعناصر أخرى لا تخلو من أهمية المحيط الأسري المشجع منذ الطفولة على القراءة، ثم توفر ما يكفي من الوقت اللازم للعزلة التي تتطلبها الكتابة.

في ظل لجوء العديد من القراء إلى مختلف الوسائط الأخرى بعيدا عن الكتاب الورقي، كيف تعاملت مع الناشر في ظل أزمة النشر، وما هي التكلفة التي تطلبها إنجاز عمل أدبي بهذه المواصفات، علما أن نسبة ضئيلة جدا هي من تقتني الكتب؟

سؤال حراق بطعم فلفل حار ..إشكالية النشر والتوزيع أو صدمة ما بعد الانتهاء من الكتابة بعد اكتمال المشروع تتخلص منه أو يتخلص منك على أمل أن تلامسه بين يديك..هنا تبدأ المرحلة الأصعب في حلقة الإنتاج الإبداعي ولعل أغلب المشتغلين في الميدان يدركون مدى تلك الصعوبات..كما قلت أمام قارئ لا يشتري الكتاب وناشر معني كأي تاجر بمتلازمة الربح والخسارة، أمام غياب سياسة ثقافية حقيقية بعيدة عن المناسباتية أمام غياب الدعم وعدم انخراط المؤسسات المالية في المشاريع الثقافية التي تعنى بالكتاب تصبح عملية النشر حلما صعب التحقق.. بالنسبة لتجربتي المتواضعة بعد اعتمادي على إمكانياتي الخاصة صدرت الرواية في طبعته الأولى في حلة متواضعة لم أكن راضية تماما عنها بعدها ومن حسن حظي تبنت رواية ولي النعمة مشكورة دار النشر المغربية العربية.

ماذا تعني الكتابة بالنسبة لسلمى مختار أمانة الله ؟

الكتابة هي رتق لتلك الفراغات التي تملأنا، هي محاولة للإمساك بخيط الحياة الواهي لعله يجذبنا لشكل من أشكال المعنى هي انعتاق من قيود الواقع تحرر من الإحساس بالعجز.. هي ذاك التحليق الذي ندفع ثمنه من حبر دمنا..الكتابة ألم لذيذ تصيبنا بسادية مزمنة لا سبيل للتخلص منها إلا بالانصياع لها.

كيف ترين واقع الكتابة النسائية في المغرب؟

إذا كنت تقصد بالكتابة النسائية تلك التي تعتني بالقضايا التي تهتم بقضايا المرأة، أظن أنها بدأت تطرح بشكل أوسع خصوصا من النساء المبدعات، وإن كنت شخصيا لا أحبذ هذا النوع من التصنيف المبني على جنس المبدع أفضل الحديث عن البعد النسائي في العمل الإبداعي بغض النظر عن جنس الكاتب ..النظرة إلى إبداع المرأة من الخرم الضيق لقضاياها فقط، فيه نوع من الإجحاف والظلم لقدرتها على الخلق والإبداع.

ما هي الرسائل التي تودين إيصالها للقارئ من خلال أعمالك؟

الروائي مرآة لمجتمعه عليه أن يعكس قضاياه أحلامه إرهاصاته انتظاراته تاريخه بشفافية. بالتالي يتحمل مسؤولية المساهمة في خلق نوع من الوعي الجماعي بقدرته من خلال المتن الروائي المتخيل، المتخفف من قيود الدراسة بشروطها العلمية الصارمة، على تمرير الرسائل بسلاسة.

القدرة على النظر إلى ذواتنا بنوع من التجرد بدون أحكام مسبقة بعيدا عن مثالية الخطاب..أو عملية نسخ لصق من مجتمعات أخرى لا تشبهنا.. أحاول أن أمسح قليلا من الغبار من على وجه الواقع ليبدو واضحا متخففا من تلك الازدواجية المرضية التي ما فتأت تخفي الشمس بالغربال.

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

“الرواية وشعرية اليتم” دراسة جديدة للناقد حسن المودن

صدرت حديثا دراسة نقدية جديدة للباحث والمترجم المغربي حسن المودن، تحمل عنوان “الرواية وشعرية اليتم”...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *