لطيفة بن زياتن: الفيلم الوثائقي أفضل وسيلة لنشر السلام

قالت إن فيلم “لطيفة في قلب المعركة” يدعو غلى نبذ العنف ومحاربة التطرف

أجرت الحوار من أكادير : سعاد العطار

عبرت الفاعلة الجمعوية المغربية المقيمة في فرنسا، لطيفة بن زياتن، عن سعادتها بالمشاركة في مهرجان الفيلم الوثائقي بأكادير (فيدادوك)، بفلمها “لطيفة في قلب المعركة”، مشيرة إلى أنها خاضت تجربة العمل في السينما الوثائقية من أجل التعريف بمشروعها المجتمعي الذي ينتصر للسلام والحب والتعايش، انطلاقا من تجربتها القاسية التي عانتها جراء مقتل ابنها الجندي الراحل عماد ن زياتن، في عملية إرهابية كانت مدينة تولوز الفرنسية مسرحا لها.

عن فيلمها الوثائقي “لطيفة في قلب المعركة” ومعاناتها بسبب فقدان فلذة كبدها، ودواعي تأسيسها لجمعية “عماد للشباب والسلام” ونضالها في نبذ العنف ومحاربة التطرف كان لنا معها الحوار التالي في لقاء خاص بمدينة اكادير.

ــ كيف تقبلت الأمر عند سماعك خبر الاغتيال؟

* كان الأمر صعبا جدا، لا أتمناه لأحد. عندما يأتيك خبر صاعق من قبيل أن ابنك قتل، صدمة قوية جدا وضعتني في حيرة من أمري وتيه لم أعشه من قبل، إلى درجة أنني لم أعد أدري ما أفعل.

تلقيت الخبر فور عودتي من تركيا رفقة زوجي، حيث كنا في أسطنبول بطلب من ابني، لقد عشنا فترة صعبة.

ــ لماذا تم إنتاج فيلم “لطيفة في قلب المعركة”؟

* اشتغلت تقريبا لمدة 5 سنوات في الميدان، داخل المدارس، والسجون، ومع الآباء والأمهات، والجمعيات، كان الناس دائما يؤازرونني باعتباري تلك المرأة التي يشاهدونها على شاشات التلفزيون.

جاءت فكرة الفيلم من السيدة (سكوطا) شاهدتني عبر التلفزيون وطرحت علي فكرة العمل على فيلم وثائقي لسرد تجربتي مع الموقف الذي عشته، في الأول لم أقتنع بالفكرة لأنني لم أكن أتصور الوقوف أمام الكاميرا من أجل الشهرة، كان هدفي هو الدفاع عن الشباب، وتحسيسهم بقيمة الحياة وتحذيرهم من الوقوع في المحظور، من أجل كل الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن في ظروف قاسية. هو هدفي إلى يومنا هذا.

مرت أزيد من 6 أشهر على الاقتراح، وذات يوم، كنت في جلسة غذاء مع أحد الأصدقاء، وأمام إلحاح العديد من الناس الذين تعرفوا علي أثناء ظهوري في التلفزيون، فقبلت العمل على فيلم وثائقي، حتى يتمكن الناس من التعريف بالعمل الذي أقوم به بشكل اوسع.

كنت أكافح  وأناضل لوحدي بشكل يومي، أزور المدارس والمؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها، ومع ذلك لم أستطع الوصول إلى أكبر فئة من الناس، لقد اقتنعت بأن الفيلم الوثائقي سيساهم في التعريف بالعمل النبيل الذي أقدمه إلى فئة عريضة من الشباب، والمجتمع.

في البداية كان الأمر صعبا جدا في البداية لأن هناك تقنيات جديدة لم أعهدها من قبل، كاميرات وميكروفونات وأضواء… بينما أنا كنت معتادة على حياة هادئة وبسيطة مع أسرتي، لكني بعد ذلك ألفت الأمر وأصبح جزءا من برنامجي اليومي، خصوصا عندما شاهدت العمل، الذي كان جميلا ونال إعجابي، وأصبح محط اهتمام كبير اليوم داخل المدارس والمؤسسات التعليمية، حيث أصبح الأساتذة يشتغلون عليه، والجمعويون أيضا يعرضونه داخل المؤسسات السجنية.

ــ على ذكر زيارتك للسجون والمدارس، هل توصلت لطيفة إلى نتائج إيجابية من خلال هذه المبادرة ؟ وهل ما زلت مستمرة في هذه الحملات التنويرية؟

* أنا فخورة جدا بهذا العمل الذي ساهم في إنقاذ مئات الشباب من الضياع، ولا أستطيع التوقف عنه، فأنا وهبت حياتي لهذا العمل، وسأستمر فيه إلى آخر يوم في حياتي، لأن عماد رحمه الله لم يقبل الخضوع لأنني ربيته ومعه كل أبنائي على الديمقراطية والصمود، وعلى تحمل المسؤولية، وأن يكونوا أقوياء، كنت أنصحهم دائما على التحمل والصبر الكفاح والمثابرة، وعندما حكى لي الأصدقاء والمسؤولون عبر فيديوهات بأن ولدي مات واقفا، وهذه كانت رسالة رسالة قوية (قلت لي يا ماما أن أظل واقفا، ها أنا أموت واقفا) وهذا عامل قوي جعلني أظل واقفة أنا كذلك وصامدة ومناضلة في صفوف الشباب الذي يعاني كثيرا من قلة الحب والحنان، لهذا أحاول جاهدة حث الأمهات على العناية بتربية أبنائهن، لأن الأم هي الدعامة وهي عماد البيت والأسرة، والأب له دور كبير كذلك داخل الأسرة فهو المستقبل للأبناء، وهذا يدفعني إلى المزيد من العمل والنضال اليومي، لأن هذا وعد قطعته على نفسي، ووعدت به ابني، والحمد لله أعطى نتائج طيبة، من خلال زياراتي للسجون أسمع السجناء، يقولون لي لقد حملت لنا الأمل يا سيدتي، وفي هذه الحالة أشعر أنني فزت وحققت هدفي. قمت كذلك بإنقاذ عدد من الشباب الذي كان يرغب في التوجه إلى الأراضي السورية، وحتى العائدين منها، كنت أقوم معهم بلقاءات وورشات تبعدهم عن الفكر المتطرف.

ــ ماذا غير الفيلم في حياة لطيفة، خصوصا أننا شاهدناك بصورة المرأة القوية الصامدة مع ابتسامة جميلة، رغم نظرات الحزن الظاهرة في عينيك؟ وما هو الشيء الذي يمسح الحزن من عيني لطيفة؟

*  من الصعب مسح الحزن وإزالته لأن من ضاع مني هو ابني البالغ من العمر 30 سنة وكان أكثر من ولدي، كان صديقي وأخي وحبيبي، صحيح هناك الابتسامة، لكن الدموع من الداخل وبالقلب جرح لا يندمل، وألم لا يفارقني. الأم دائما لا يمكن أن تنسى ابنها ، فولدي أفكر فيه دائما ليل نهار في كل وقت وفي كل مكان لا يمكنني أن أنساه، وحب الوالدين حب قوي ، وصعب جدا أن يدفن الأب والأم ولدا لهما.

ــ كيف ولماذا أسست لطيفة جمعية “عماد للشباب والسلام”؟ وهل تلقيت الدعم من فرنسا؟

* أسست هذه الجمعية لأنني عشت ظروف قاسية لها علاقة بمقتل ابني، وبذاكرته التي لا يمكن أن تنمحي وأن تنسى. “صُدمت لما سمعت بعض الشباب يعتبرون أن قاتل ابني “شهيد”، لذلك قررت إسراع الخطى للعمل من أجل محاربة الارهاب ومحاصرته.

ساندني جلالة الملك محمد السادس نصره الله ودعمني نفسيا، وتكلف بالمرحوم ولدي، وهذا كان حافزا حتى أظل صامدة، كما أن هناك عددا كبيرا من الناس الذين ساعدوني كذلك واهتموا بي.

ــ كيف ترى لطيفة معاملة فرنسا للمهاجرين، خصوصا العرب؟

* الغربة صعبة جدا لأن الغربة لا يحسها إلا من يعيشها، الشباب يعانون مشاكل متعددة، خاصة الذين يعيشون الغربة لوحدهم، بمفردهم دون أسر، أو علاقات عائلية، لهذا أتوجه للآباء والأمهات، وأوصيهم بالعناية والاهتمام وبتربية الأبناء، والتفكير في نجاحهم، لأن بناء الإنسان قبل بناء العمران. ولهذا فأنا أحث الشباب على خدمة بلده أولا، وأرى اليوم أن المغرب يخطو خطوات جبارة على جميع المستويات، ويجب على الشعب المغربي التحلي بالوعي الكافي، لأن الشباب هم المستقبل، ونحن نرى يوميا جلالة الملك محمد السادس يعمل ليل نهار من أجل بناء هذا البلد الآمن والمستقر، ومن أجل إسعاد هذا الشعب الوفي، ومن أجل الرقي والتطور والازدهار. أتساءل لماذا يفكر الشباب المغربي في “الهجرة”، وركوب المخاطر، وعندما يصل إلى الضفة الأخرى يجد وضعا صعبا مختلفا لما كان يحلم به.

ــ قمت بزيارة لفلسطين وإسرائيل من أجل السلام، هل يمكن أن توضحي لنا علاقة هذه الزيارة بموت المرحوم عماد؟ ألم تخشي اتهامك بالتطبيع؟

* أي مشروع أقوم به مبني على الصدق والنية الصافية، لذلك لا أفكر فيما سيقوله الآخرون، أو كيف ينظرون إلي، وإلى صورتي وسمعتي، وشخصي لطيفة بن زياتن. فمشروع السلام هو مشروع أقوم به من أجل الإنسان والتعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين، رغم صعوبة الأمر. فالسلام يحتاج إلى انخراط الجميع، وهذا ما جعلني أنجز مشروع السلام مع مجموعة من الأطفال المسلمين والمسيحيين واليهود، وهؤلاء أدركوا العلاقة بينهم لأن المشكل هو مشكل حدود، ومشكل أرض، مشكل سياسي يجب أن يحل سياسيا. والاتفاق على السلام والتوقف عن الحرب.

لقد قابلت أمهات فلسطينيات مكلومات مثلي، أحسست بمعناتهن وأحسسن بمعاناتي، واقتنعن بما أقوم به من السلام.

 ــ لاحظنا أن هناك إجراءات أمنية مشددة ترافقك، ما السبب في ذلك؟ هل سبق أن تلقيت تهديدات؟

* نعم سبق أن تعرضت لتهديدات كثيرة، وفي الفيلم هناك مشاهد تؤكد ذلك، هناك استفزازات تعرضت لها من أجل ردود الفعل، يبني عليها خصومنا حكمهم ليوضحوا للعالم تطرف المسلمين وميلهم إلى العنيف، متناسين  أن الدين الإسلامي بريء من كل عنف لأنه مبني على المعاملة الحسنة والأخلاق والإنسانية والرحمة وحب الله.

ــ من قتل عماد؟ هل هو محمد مراح؟ أم سياسة فرنسا حول الهجرة هي السبب؟

* أظن أن ظروف العيش في الأحياء الهامشية وعدم الاختلاط، والتربية والتعليم بمدارس الضوحي، ولهذا أقول للمسؤولين دائما يجب أن يكون هناك اختلاط بين الفرنسيين من كل الديانات ومن أصول مختلفة، لأن الاختلاط يساعد على الوعي والاندماج بشكل سليم يساعد على النجاح، وانطلاقا من تجربتي في المدارس خلال مدة 25 سنة أعرف وأعي تمام الوعي ما أقول انطلاقا من تجاربي، ومن علاقاتي مع هؤلاء المهاجرين القادمين من منابع مختلفة.

لا يمكن أن نقول أن فرنسا وحدها تتحمل المسؤولية، بل الكل مسؤول ومن مستويات مختلفة.

ــ لماذا تتضايق لطيفة من مصطلح “مسلمي فرنسا”؟

*لأن الإسلام ليس جنسية، أو بلد معين بل هو دين لا علاقة له بجنسية الإنسان لأن هذا الأمر يساهم في التفرقة بين الفرنسيين، نحن نتكلم عن مواطنات ومواطنين فرنسيين مهما كانت ديانتهم، أما الدين فهو علاقة بين الإنسان وخالقه.

عن baytte

شاهد أيضاً

مهرجان المجموعات

مهرجان المجموعات ينطلق بملحمة تكادة وسهرة الغيوان

الدورة الأولى تستعيد تاريخ الحي المحمدي-كريان سنطرال باعتباره مهدا للظاهرة الغيوانية ورمزا للنضال والمقاومة ونموذجا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.