حسن الكلاوي

رحيل رائد من رواد التشكيل المغربي حسن الكلاوي

عرض لوحاته المغربية الهوية العربية الروح مع تشرشل في لندن

بيت الفن

خسرت حركة الفن التشكيلي المغربي الفنان حسن الكلاوي، الذي توفي أمس الخميس، بالرباط،عن عمر يناهز 94 عاما، عقب أزمة صحية تعرض لها.

وبالنظر إلى المكانة المتميزة التي ظل يشغلها الفقيد في المشهد التشكيلي المغربي، استقبل الوسط الفني والرسمي بالمعرب الخبر بكثير من الحزن و التأثر، حيث نعت وزارة الثقافة والاتصال الراحل في بلاغ لها تضمن عبارات الأسى و الأسف، على رحيل الفنان التشكيلي حسن الكلاوي، الذي أسلم الروح إلى بارئها صباح يوم الخميس 21 يونيو 2018 بالرباط إثر أزمة صحية ألمت به.

درس الكلاوي الفن التشكيلي في “المدرسة الوطنية للفنون الجميلة” في العاصمة الفرنسية باريس، وعرف بلوحاته حول خيول “فانتازيا” واللوحات الطبيعية خصوصا، كما نظم العديد من المعارض في المغرب وخارجه، وتناولت لوحاته واقع المغرب بشكل عام، ومدينة مراكش بشكل خاص.

ويعتبر الكلاوي من رواد ومؤسسي الفن التشكيلي المعاصر في المغرب، ونالت لوحاته الفنية شهرة عالمية، ويدين بشكل كبير بنجاحه الفني لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق، وينستون تشرشل، الذي أقنع والده خلال إحدى زياراته إلى مدينة مراكش وسط المغرب، بالسماح له بمتابعة مسار الفن والألوان.

وفي هذا السياق كتبت الناقدة بسمة شيخو في ورقة عن الراحل “عزيزي ونستون تشرشل، مدينون نحن لكَ بالكثير من الجمال، أذكركَ هنا بعيدا عن السياسة التي لمع نجمك فيها وبعيدا عن الحروب العالمية، فلولا إقناعك لصديقك الباشا الكلاوي بالسماح لابنه بدراسة الفنون، بعدما رفض ذلك، لما كنا اليوم قادرين على تأمل لوحات الفنان المغربي حسن كلاوي (مواليد 1924)، الذي بدوره يملك استفسارا مشابها: ماذا لو لم يعجب تشرشل بموهبته؟ ولم يتنبأ، ويقنع الوالد الباشا، بأن ولده حسن سيكون من الأسماء البارزة في الساحة الثقافية؟

لا حاجة لهذه الأسئلة الآن فالكلاوي امتطى ظهر أحد أحصنته وقطع طريق الفن، فكان خيرة الفرسان الساكنين في لوحاته، فوصل بفرسه إلى لندن بعد سنوات، وعرض لوحاته مع تشرشل، واعتبر هذا تشريفا له، بحكم ما كان لشخصية تشرشل من أهمية تاريخية وما كان يجمعهما من روابط شخصية عميقة”.

استطاع الكلاوي، حسب شيخو، أن يخط لنفسه بصمة واضحة، تاركا لوحاته تتوزع في طرقاتها الحلزونية، فتطل بحلة تشبه المنمنمات الإسلامية من حيث التركيز على امتلاء اللوحة بالعناصر وتوزيعها بشكلِ مدروس وإدخال العناصر الزخرفية النباتية المنحنية في أغلبها. لذا نستطيع القول أن الفنان كان ممن أعادوا الفن الإسلامي بردائه الجديد إلى المغرب، حيث نشر قبل استقلال المغرب بعامين كتاب صغير بعنوان “ميلاد الرسم الإسلامي بالمغرب” تعرض مؤلفه سانت إينيان في فصل من فصوله إلى بعض الرسامين الشباب المسلمين المغاربة، الذين اكتشفوا انفتاح العالم التشكيلي في وجوهم وقسمهم إلى نوعين: رسامون درسوا الرسم، وآخرون عصاميون. في الصنف الأول ذكر أسماء حسن الكلاوي وعبدالسلام الفاسي ومريم مزيان وعمر مشماشة وفريد بلكاهية، وفي الصنف الثاني ذكر أسماء محمد بن علال الرباطي وأحمد بن إدريس اليعقوبي ومولاي أحمد الإدريسي والحمري. ويؤخذ على هذا المؤلف أنه أشاد بالاستعمار الثقافي، ونسب له فضل نهضة الرسم المغربي.

كان الاحتفاء بأعمال الكلاوي، المغربية الهوية عربية الروح، يرجع إلى أن الاتجاهات الحديثة التجريبية والتجريدية في أوروبا صاحبة سطوة عالية على الحركة التشكيلية المغربية؛ فنجد أن عددا كبيرا من الأعمال تنتمي إليها، والقليل منها التزم الصياغة الواقعية والزخرفية الشعبية المتعلقة بالتراث والفلكلور المغربي، فما كان من المغرب إلا الاحتفاء بهذا الفنان في الحفل المئوي لإصدار الطوابع البريدية باستخدام إحدى لوحاته ومنحها ميزة لا تكون للوحة في العادة، وهي الكثرة والسفر المستمر!

الموضوع الأساسي الذي اشتغل عليه الفنان هو الفروسية، لما للخيل من مكانة عالية في تراث العرب وميثولوجياتهم، فهي المرافق للنخوة والشجاعة والشهامة في خيال كل من يسمع بها. كذلك كان لها حضور في الثقافة الإسلامية أيضا، حيث ذكرت الخيل في عدد من آيات القرآن كأحد النعم الإلهية:»إِذْ عرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِ الصَافِنَات الجِيَاد، فَقَالَ إِنِي أحْبَبْت حبَ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِي حَتَى تَوَارَتْ بِالحِجَاب»، سورة ص، والآية تتحدث عن النبي سليمان.

يمثل أسلوب الكلاوي المدرسة التشخيصية الانطباعية التي نهضت في المغرب مع كل من محمد السرغيني ومريم أمزيان؛ وما يجمع هؤلاء أن كلا منهم اتخذ لرسوماتهم موضوعا محددا، فالمكان للسرغيني والمرأة لأمزيان والفرس للكلاوي، بالإضافة لاهتمامه برسم الطبيعة أيضا.

رأى الكلاوي في الفرس كائنا تشريحيا من خلال بروز تقاطيع جسده في حالة الوقوف أو السباق أو الجموح والاستعراض، وهو، أيضا، كائن جمالي من خلال تناسق هذه التقاطيع ورشاقتها. وقد تناول الكلاوي هذا الكائن بإطار فنتازي تاريخي مختلف عن طروحات فنانين غيره لهذا الموضوع (بأسلوب تجريدي، سريالي أو واقعي…)، فاللوحة تدور دوما في إطار قصصي لك مطلق الحرية بالتفكير في سيناريو مناسب له، قبل عشرات أو ربما مئات السنين، وهو الحد الزماني الأنسب. أما الحد المكاني فالصحراء هي أول ما يخطر على البال.

إن موضوع الفرس الذي اختاره حسن كلاوي مادة خصبة للتحليل التشكيلي، وللتحليل التاريخي والاجتماعي، لمكانة هذا الكائن، ومحاولة إظهار كينونته الحقيقية من خلال التأكيد على اجتماع صفاته المختلفة الموزعة على لوحات، أو من الممكن أن تلتقط كلها في لوحة واحدة تعكس الحركة والرشاقة والنبل و الشجاعة… وما إلى هنالك من صفات مرتبطة بالفرس وفرسانها، والعرب وفروسيتهم.

مع هذه اللوحات نتعرف على فارس مغربي بدون فرس، فنان يخلق الخيل بريشته ويختزل تاريخا بلوحة، يمتطي صهوة لوحته،فيعدو في درب الفن بعيدا.

عن baytte

شاهد أيضاً

السينما السنغالية

فتح باب الترشيح لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية

مهرجان الأقصر يحتفي في دورته الـ12 بالسينما السنغالية وصناع أفلامها بيت الفن أعلن السيناريست سيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.