حفل توقيع كتاب جديد بالرباط من تنظيم رابطة كاتبات المغرب…
بيت الفن
شهد حفل توقيع الكاتبة والفنانة التشكيلية لبابة لعلج، الذي نظمته رابطة كاتبات المغرب في إطار المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، حضورا واسعا ومتنوعا.
وجمع هذا الحدث الثقافي، المخصص لتقديم كتاب “صوت باطني ” وتوقيعه، نخبة من المثقفين والكتاب والفنانين والأكاديميين، فضلا عن عشاق الأدب والفنون التشكيلية، الذين اعتبروا اللقاء فرصة ثمينة للتبادل حول الإبداع الفني والكتابة الشعرية والحوار بين النص والصورة.
عندما يغدو الصوت حصنا للروح
يكفي أن نذكر من بين الكتاب والنقاد الذين قدموا قراءاتهم في نص “صوت باطني”، الكاتب الفرنسي جان-باتيست بالديني الذي طرح تأملا معمقا في مفهوم الصوت الداخلي وما ينطوي عليه من مفارقات متعددة.
ويرى بالديني أن الصوت الباطني يبدو في البداية تناقضا في ذاته، إذ من المفترض أن يكون الصوت جهيرا، متوجها نحو الخارج وموجها للآخرين، في حين يظل الصوت الداخلي صامتا وحميميا وغير مرئي. ويبرز بالديني أن المؤلفة تعتبر الفكر ضربا من الكلام الداخلي، إذ يشكل التفكير عندها حوارا مع الذات عبر صور وكلمات وتأملات صامتة تسبق كل تعبير لفظي. وبهذا يغدو الصوت الداخلي حصنا للروح وفضاء حميميا يتشكل فيه الوعي الإنساني.
ويوضح بالديني أن لعلج تجسد الصراع الداخلي بين الأفكار السلبية والسعي إلى السكينة، فهدى تتعلم شيئا فشيئا الإنصات إلى صمتها الداخلي لتستعيد انسجاما عميقا مع ذاتها. ويخلص الكاتب إلى أن هذا العمل يضيء بحساسية وذكاء ذلك “الصويت” الخفي الذي يرافق كل إنسان في أعمق تجارب وجوده.
نصوص توحي بنداء عميق للكائن الإنساني
في دراسته النقدية لكتاب “صوت باطني” يكشف الكاتب والشاعر منير سرحاني عن عمق الكون الجمالي والرمزي للشاعرة، مسلطا الضوء على العلاقة الوثيقة بين الكتابة الشعرية والصورة التشكيلية واستكشاف العالم الداخلي للإنسان.
يرى منير سرحاني أن قراءة نصوص لبابة لعلج توحي بكلام في حركة دائمة، كلام يشتغل كنداء عميق موجه إلى الكائن الإنساني. ويبين أن توظيف البيت الشعري المجزأ يمكن الشاعرة من التعبير بشدة عن القلق والمشاعر والتساؤلات الوجودية التي تجتاح عملها، فيغدو الشعر وسيلة لتجلية الأعماق الإنسانية من مشاعر وتأملات واعترافات.
ويلاحظ سرحاني أن نصوص الشاعرة تتمحور حول “الأنا” و”الذات” اللتين تصيران فضاء للتعبير عن الحالة الإنسانية. فمن خلال هذه الكتابة الحميمية، تستحضر الكاتبة الشكوك والمعاناة والآمال والمشاعر الكونية التي يتعرف فيها كل إنسان على نفسه. ويشدد أيضا على أهمية الرموز في كتابتها، معتبرا أن الشاعرة تبني رؤيتها للعالم عبر صور شعرية مرتبطة بالذاكرة والغياب والبحث الداخلي.
وختاما، يرى الكاتب أن مجمل أعمال لبابة لعلج يقوم على محاولة الإصلاح الرمزي لعالم هش وبعيد المنال بفضل قوة الفعل الشعري، مؤكدا أن كتابتها تبدو ضربا من الإصرار الإبداعي وبحثا روحيا وإنسانيا تصير فيه الكلمة الشعرية تأملا ومقاومة وسعيا نحو المطلق في آن واحد.
صياغة جديدة للفضاء الإنساني
يقول الكاتب والشاعر إبراهيم الكراوي إن ديوان ”صوت باطني” للشاعرة لبابة لعلج إلى جانب الترجمة الأنيقة للناقد عبد الله الشيخ يستمد جذوره من فلسفة الشعر في سعيها الدؤوب نحو البحث في المسافات والقريب بتعبير الأنثروبولوجي عبد الله حمودي. ومن ثم شكلت اللغة الرحم الأنثوي المُولد لشعرية الصوت وحفرياته بوصفه الهوية والتمثل الثقافي فضاء تحقق الصوت النسوي الحالم. ويضيف الكراوي أن النص الموازي والعنوان الفرعي يعيد صياغة جديدة للفضاء الإنساني الذي تتقاطع فيه لغات وحضارات وثقافات، كما يتجلى من خلال استعارة الصوت. كلا العنوانين يحفران في الحدود والفضاء، عبر وساطة العلامة ”الصوت” بوصفه يضمر أنساقا ذات تمثلات ثقافية وسيكولوجية، مشيرا إلى أن العمل الشعري الذي تنسجه ريشة الشاعرة تجاوز لكل ما هو سطحي ومحاولة النفاذ إلى الباطن. غير أنه ما الفرق بين الباطن والعمق هنا؟ إن الباطن في شعرية الصوت مخفور بمرجعية تستوحي عالم النفس، رغم أنها نفس ترفض أن تقيم داخل هذه الكينونة الإنسانية الشعرية المحدودة التي سيجها سيغموند فرويد.
كتاب مفتوح على أسئلة الوجود
كلما أمعنا النظر في “صوت داخلي” وجدناه كتابا مفتوحا على الأسئلة، الأسئلة التي تكمن أهميتها في أن تظل شاهدة على الوجود والكائن والعبارة، ويظل الجواب-عنها- في رف استعارات الحياة التي يباشرها الكائن ليبقى يقظا ومشتعلا كنجمة لا يطالها الأفول أو المحو أو الغياب. كل هذا وما جاور الكتاب هو بوح “هدى”- وهي أساسه- التي ترى في “الهداية” أفقها وملاذها، الحياة برمتها بتمظهراتها وتجلياتها وتناقضاتها…
وهذا القول وهو يغطي صفحات الكتاب قوته نابعة من الحرقة ذاتها التي تجعل الوجود ممكنا ومفروضا رغم استحالته وإمكانية التعايش معه، وهذا ما فكرت فيه “هدى” بصوت عال غطى سقف النصوص وفاض في جداول شذراته.
“هدى” الشاعرة، المبدعة، تستعيد اكتشاف ذاتها للمرة الثانية استنادا إلى بلاغة القول والصور والمتخيل والاستعارات في أنشودتها الشعرية ساعة تعري عن مكامن البوح الآتي من الأعماق، من الصوت القابع هناك -تحديدا- كمكنون باطني، من الأسئلة العالقة في الجذور والأفق والمستقبل ومُسألة الحاضر.
مسألة لا يمكن تجاوزها في ختام هذا النص الحالم، وهي المتعلقة بالترجمة حيث انسيابية العبارات ومضامين الكلام يتسرب إلى عمق المتلقي بهدوء تام يفي بالغرض، وسعى لتجسير الخطى بين اللغتين ساهم وبقوة ليصبح لهذا الكتاب معنى آخر في الحضور والتجلي. وهو من لمسة الناقد الجمالي عبد الله الشيخ مشكورا على الجهد الجميل.
بيت الفن المغربي فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار بيت الفن فضاء للتلاقي، للتفاعل، للتآلف، للحوار، ولتبادل الأفكار، للانفتاح على الآخر، إنه حيز مشترك غير قابل لأن يتملكه أيا كان، الثقافة ملك مشاع، البيت بيتك، اقترب وادخل، إنه فسيح لا يضيق بأهله، ينبذ ثقافة الفكر المتزمت بكل أشكاله وسيظل منحازا للقيم الإنسانية، “بيت الفن” منبر للتعبير الحر، مستقل، مفتوح لكل التيارات الفنية والأدبية والفكرية.