علاء الدين الجم

علاء الدين الجم: أميل إلى التأمل والإيقاع البطيء

 

يجب تقبل كل تجربة بمزاياها ونواقصها والمرور إلى التجربة الموالية

علاء الدين الجم مخرج مغربي شاب من مواليد الرباط يوم 29 نونبر 1988.. بعد حصوله على البكالوريا سنة 2005 درس السينما بالمدرسة العليا للفنون البصرية (ESAV) بمراكش وتخرج منها سنة 2008، كما درس بالمعهد العالي لفنون الفرجة (INSAS) ببروكسيل وتخرج منه سنة 2010 بشهادة ماستر في الإخراج والإنتاج والسيناريو.. أخرج لحد الآن أربعة أفلام قصيرة آخرها “حوت الصحرا” (2015)، الذي عرض في العديد من المهرجانات داخل المغرب وخارجه وحصل على جوائز من بينها الجائزة الكبرى وجائزة السيناريو وجائزة النقد في الدورة 16 للمهرجان الوطني للفيلم سنة 2015، كما أخرج أول أفلامه الروائية الطويلة “سيد المجهول” (2019)، الذي استغرق منه إنجازه جهدا في الكتابة والتطوير والإعداد والبحث عن التمويل والتصوير وما بعده دام أربع سنوات، وشارك به في عدة مهرجانات سينمائية دولية كمهرجان “كان” ومهرجان مراكش الدولي للفيلم وغيرهما بالإضافة إلى المهرجان الوطني للفيلم بطنجة سنة 2020 في دورته 21 حيث حصل فيه على ثلاث جوائز هي: جائزة العمل الأول وجائزة الصوت وجائزة الإنتاج.

في الحوار التالي، الذي أجريناه مع الجم بمناسبة عرض فيلمه القصير “حوت الصحرا” على منصة إلكترونية من 8 إلى 15 شتنبر 2020 من طرف المركز السينمائي المغربي، إثارة لمجموعة من القضايا المرتبطة بهذا الفيلم شكلا ومضمونا:

أجرى الحوار وقدم له: أحمد سيجلماسي

لاحظت منذ بداية الفيلم إلى نهايته حضورا قويا للقطات الثابتة، ما هي مبررات هذا الاختيار الفني؟

الاشتغال حصريا باللقطات الثابتة جاء بطريقة عفوية، حيث أنني ومع مرور الوقت وتجاربي السينمائية في الأفلام القصيرة التي أخرجتها وجدت نفسي لا أرتاح إلا باختزال وتبسيط اللغة السينمائية التي أعبر بها. فحتى نوعية الأفلام والطريقة السردية التي أعتمدها لا تتطلب أي تحرك للكاميرا ولا تستلزم أي مؤثر أو أي شيء يزيل تركيز المتلقي على مركز الصورة وأداء الممثلين.

تمكنني اللقطات الثابتة كذلك من وضع مسافة بين المشهد والمشاهد، كما أن طول اللقطات وتركيب الصورة يمكنان من ترك حرية نوعية لعين المتلقي من أجل إجراء تقطيع شخصي داخل كل لقطة.

الاشتغال الحصري باللقطات الثابتة له مزاياه، شريطة أن يكون الفيلم قد تم تصوره وتصور إخراجه بهذا الأسلوب منذ الكتابة.

إيقاع الفيلم متوازن نسبيا رغم شعور المتلقي العادي ببعض البطء في سير أحداثه، أملته ربما طبيعة الحياة في الصحراء وفضاءاتها المفتوحة، كما أن هناك نوع من التمطيط في بعض المشاهد واللقطات، أليس بالإمكان إعادة تركيبه لتصبح مدته 20 دقيقة بدل 28 أو 30، خصوصا وأنك أنت مركب صوره؟

لا يجب بتاتا إعادة تركيب الفيلم.. بل لا يجب إعادة تركيب أي فيلم على الإطلاق بعد عملية عرضه ومشاركته مع الجمهور.

الفيلم يجب تقبله من طرف صاحبه بمزاياه ونواقصه والمرور إلى التجربة الموالية.. كل فيلم هو نابع بالفعل من شيء خاص وعميق لدى مؤلفه، يشكل تجربة مرتبطة بوقت وفترة معينة من حياته.

إذا طلب مني اليوم إخراج هذا الفيلم القصير، أظن أن النتيجة النهائية ستكون مختلفة وليس بالضرورة أفضل. فما كان بداخلي يدفعني لإخراج الفيلم لم يعد موجودا اليوم، لقد تطور وتغير. هذا الفيلم كان لابد أن يخرج للوجود في هذا الشكل بطوله وإيقاعه. أنا لا أومن بتاتا بأن جميع الأفلام يجب أن تكتب وتركب بنفس الطريقة. فالتكرار الموجود في مشاهد هذا الفيلم هو جزء من لغته السينمائية، كما هو الأمر بالنسبة لطريقة تركيب الصور فيه والتعامل غير الواقعي مع الصوت.

الفيلم هو تجربة سينمائية تقترح على الجمهور في هذا الشكل، ويحق لهذا الأخير أن يقبل أو يرفض هذه التجربة ويتجاوب معها بالشكل الذي يختاره. فمسيرة الفيلم وردود أفعال المشاهدين المختلفة، حسب المرجعية التي ينطلقون منها، تؤكد أنه لابد من اختلاف الأفلام في مضمونها وطريقة معالجة هذا المضمون. بالنسبة لفيلم “حوت الصحرا” لنقل أنني من عشاق الأفلام التأملية ذات الإيقاع البطيء.

اشتغلت في هذا الفيلم القصير، الذي صورته بنواحي مراكش (أكافاي)، مع ممثلين غير محترفين كمولود بنعبو (في دور الأب) وحسام باسان (في دور الإبن طفلا) وأناس بوزرغان (في دور الإبن شابا) باستثناء فاطمة أكلاز التي لها تجربة معتبرة في التشخيص وإخراج بعض أفلام الهواة، كيف جاء اختيارك لهؤلاء الممثلين الذين كانت تنقص بعضهم التلقائية في الأداء؟ ألم تواجهك صعوبات في إدارتهم؟

لم تكن هناك أي صعوبة تذكر في إدارة الممثلين. لقد تم اختيارهم بعد مرحلة الكاستينغ، وكونهم يتوفرون على تجربة في التشخيص أم لا أمر ثانوي بالنسبة لي. إن أهم شيء عندي في اختيار أي ممثل هو أن أتمكن من رؤيته في الدور المطلوب.

بالنسبة لإدارة الممثلين، لم أكن أبحث عن العفوية في التشخيص، بل على العكس لأن الفيلم لا يستدعي ذلك، الفيلم في تصوري يستدعي نوعا من الكوريغرافيا في التنقل وتداول الحوار بين الممثلين. وهو نفس الشيء الذي اشتغلت عليه وطورته في فيلمي الطويل “سيد المجهول”.

خلف فيلمك هذا، الذي يمكن اعتباره متقدما مقارنة مع أفلامك القصيرة السابقة، صدى طيبا لدى النقاد والسينفيليين. كما حصد ثلاث جوائز في الدورة 16 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة سنة 2015: الجائزة الكبرى وجائزة السيناريو وجائزة النقد، ماذا تعني لك هذه الجوائز؟

الجوائز عبارة عن محفزات ودعم معنوي ومادي لأي فنان.  إنها اعتراف بإعجاب لجنة من المهنيين بعمل ما. وهي في حد ذاتها ليست هدفا أو غاية أبتغيها أو أضعها ملء عيني عند اشتغالي على عمل ما، هي أمور تأتي من بعد أو لا تأتي.

منذ بداية الفيلم نلاحظ العلاقة الإيجابية التي تربط  الإبن بأمه، في حين نلاحظ نوعا من التوثر في علاقة الأب بابنه، لكن بعد موت الأم وحلم الأب يقع انفراج حيث يهيم الأب في الصحراء بحثا عن إبنه، لماذا اخترت “الحوت في الصحرا” كعنوان للفيلم، وما دلالات هذا العنوان؟

يحكي الفيلم عن شخص يجد نفسه غريبا عن المحيط الذي كبر وترعرع فيه. وهو مبني على تضاربات ما بين الواقع والخيال، السماء والأرض، الحلم والقبر… دون أي ارتباط لا بتاريخ ولا بجغرافيا، حيث لا ندري أين ومتى تجري هذه الأحداث. ارتأيت اختيار “حوت الصحرا” عنوانا للفيلم لأنه يختزل كل هذه الأمور، كما يصف بشكل جيد وضعية الشخصية المحورية فيه.

تم تطوير سيناريو الفيلم في إطار مختبر الكتابة “السينما عبر المتوسط” في أول دفعة سنة 2012 من (Méditalents) وفي ورشة “من المكتوب إلى الشاشة” بمهرجان نامور الدولي للفيلم الفرنكوفوني ببلجيكا، ما هي أهم الأشياء التي استفدت منها في هتين الورشتين؟

ما استفدته من ورشات السيناريو عموما هو تفاعلات ونصائح في الكتابة من مهنيين لهم من الخبرة ما يكفي لإفادة مخرج في خطواته الأولى، كما هو الحال بالنسبة لي. فهذه الورشات هي أيضا فرصة للإلتقاء بمخرجين آخرين لتبادل الأفكار والتجارب.

أنتجت الفيلم بتعاون مع زوجتك الإيطالية، التي تخرجت معك من نفس المعهد السينمائي البلجيكي ببروكسيل (INSAS) السيدة فرنشيسكا دوكا (FRANCESCA DUCA)، من خلال شركة الإنتاج (Le moindre geste) وبدعم من المركز السينمائي المغربي ومؤسسة الدوحة للأفلام، ما هو دور فرنسيسكا في إنجاز هذا الفيلم وما سبقه من أفلام قصيرة، وكذلك فيلمك الروائي الطويل الأول “سيد المجهول” (2019)؟

فرنشيسكا أنتجت أفلامي منذ كنا في المعهد ببروكسيل. علاقتي بها علاقة عمل تحولت إلى صداقة ثم إلى ما هو أكثر من الصداقة، فلابد لكل مبدع أن يحيط نفسه بأناس مقربين منه، يفهمون من هو وما يريد إنجازه، يثق بهم ويثقون به ويمكنه الكلام معهم بكل حرية، من بزوغ فكرة ما إلى مشروع فيلم وإنجازه. لدي مجموعة من الأشخاص الذين أشتغل معهم دائما إلى درجة أننا أصبحنا نكون فريق عمل وفي، وتعتبر فرنشيسكا أقرب وأبرز هؤلاء الأشخاص.

الطاقم التقني للفيلم معظمه مغربي، هل يتعلق الأمر بأصدقاء لك في الدراسة يحصل بينك وبينهم انسجام كبير في العمل؟

أغلب من اشتغلوا معي في فيلم “حوت الصحرا” من خريجي المدرسة العليا للفنون البصرية بمراكش، فلابد من الاشتغال مع رفاق الدراسة في الأفلام القصيرة بهدف أن نكبر معا، خاصة في ظل ضعف ميزانية الفيلم.

الفيلم ليست فيه موسيقى تصويرية، هل هذا اختيار جمالي منك أم أن إمكانيات الإنتاج المحدودة لم تسمح بذلك؟

لم أستخدم أي موسيقى في الفيلم لكوني لا أحب اللجوء إلى أي مؤثرات مهما كان نوعها. فمنذ كتابة الفيلم لم يكن هناك أي تفكير في استعمال الموسيقى. بصراحة لم أكن أحب الموسيقى في الأفلام ولم أستعملها في أي من الأفلام القصيرة التي أخرجتها سابقا. وعلى العكس من ذلك أحب الصمت وتركيب الأصوات المباشرة.. هذا الأمر لا علاقة له بميزانية الفيلم ولا يمكن لأي مخرج أن يبني قرارا فنيا على مدى توفره أولا على الإمكانيات المادية. يمكن تأليف وتسجيل موسيقى لأي فيلم قصير بتكلفة منخفضة.

أول مرة اقتنعت فيها باستخدام الموسيقى كانت في فيلمي الطويل “سيد المجهول”، والسبب الرئيسي وراء ذلك هو إعجابي واقتناعي بنوعية وجمالية موسيقى أمين بوحافة، التي لا تغطي على ما يجري في الصورة ولا تميل بالمشهد لا إلى الدراما ولا إلى الكوميديا، وإنما تظل محايدة.

أهديت الفيلم في جنريك النهاية إلى إبنك حفظه الله، هل هناك علاقة ما بين هذا الإهداء ونهاية الفيلم المفتوحة (الأب يبحث عن ابنه للتصالح معه)؟

عندما كتبت الفيلم لأول مرة كنت أحس بقربي أكثر من شخصية الابن، وبعد مرور أربع سنوات قررت إنجاز الفيلم. فلما شرعت في إعادة الاشتغال على السيناريو وجدت نفسي أقرب من شخصية الأب. حينئذ كانت زوجتي حامل بإبني الأول. إحساسي في هذه اللحظة كان موجها نحو الأبوة وقدرة الأب أم لا على تقبل اختلاف واستقلالية ابنه.

أهديت الفيلم لإبني آنذاك كوعد مني له أنه على اختلافنا أو تشابهنا فسأكون سندا له.

الفيلم بمثابة حوار عن بعد بين أب وابنه يبحثان عن بعض ويبحثان عن مكانهما في هذه العلاقة.

أهديت الفيلم لإبني وأنا متأكد أنه عندما سيصل لسن معين سيشاهده ويفهم مغزاه.

من بين الأشخاص الذين شكرتهم في الجنريك الناقد السينمائي التونسي الصديق الطاهر الشيخاوي (رئيس سابق لجمعية النهوض بالنقد السينمائي)، ما هي طبيعة العلاقة التي ربطتك به في هذا الفيلم؟

الطاهر الشيخاوي صديق أحبه كثيرا وأحب عشقه الكبير للسينما. كان من بين المؤطرين لورشة “من الكتابة إلى الشاشة” التي شاركت فيها.

كل من أفادني بنصيحة أو منحني من وقته حيزا لابد وأن أشكره.

ماذا عن مشاريعك الحالية والمستقبلية؟

أشتغل حاليا على فيلمي المقبل، كما أشتغل على سلسلة تدور أحداثها خارج المغرب.

عن بيت الفن

شاهد أيضاً

ليلى كيلاني علاء الدين الجم مريم التوزاني

انطلاق مهرجان روتردام السينمائي بمشاركة مغربية

ليلى كيلاني تتنافس على جوائز الم سابقة الرسمية بفيلمها الجديد شياع.. وعلاء الدين الجم يعرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Protected by Spam Master