وفاة المناضل والمفكر والأديب واللغوي المغربي عبد الغني أبو العزم

برحيل عبد الغني أبو العزم يفقد المغرب والعلم العربي عقلا موسوعيا نادرا جمع بين صرامة الباحث وقلق المثقف ونفس الأديب الذي لم يتخل يوما عن حسه الإنساني وهو يغوص في أدق تفاصيل اللغة…

بيت الفن

فقدت الساحة الثقافية المغربية والعربية اليوم الأربعاء 18 مارس 2026 المناضل والمفكر والأديب واللغوي المغربي عبد الغني أبو العزم، الذي وافاه الأجل عن سن ناهزت 85 عاما، بعد معاناة طويلة من المرض، حسب ما علم لدى أقارب الراحل.

ونعى الوسط الأدبي الوطني أديبا ومترجما ولغويا قدم عطاءات نوعية غزيرة للثقافة المغربية والعربية، كما ساهم في إثراء الدرس الجامعي والتكوين البيداغوجي من موقعه أستاذا بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء.

وحسب، الأستاذة الجامعية والناشطة الحقوقية المغربية لطيفة البوحسيني، فإن “عبد الغني، الغني عن التعريف كمناضل وجامعي ومثقف، كانت له إسهامات ومؤلفات عديدة أغنت المكتبة المغربية والعربية، يأتي على رأسها “معجم الغني الزاهر” الصادر عن دار الكتب العلمية سنة 2013…المؤلف الذي أنفق من أجل إنجازه سنوات من الكد والاجتهاد…علاوة على عدد من الروايات وكتب في السيرة.

عرفته ساحات النضال منذ شبابه الأول في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (خلال نهاية الستينيات من القرن الماضي)، ثم في صفوف منظمة 23 مارس (خلال السبعينيات) التي جاء إليها ضمن ثلة من الشباب المنسحب من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكان من مؤسسي منظمة العمل الديمقراطي الشعبي (بداية الثمانينات) وأحد قادتها البارزين.

ناضل في واجهات متعددة، مثله مثل أبناء وبنات جيله وكان من المؤسسين للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان (سنة 1988)، كما عد من بين “القوميين العرب” ومن الأصوات البارزة في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

كان ابن اليسار البار، بما يعنيه اليسار حينها من الدفاع عن “عيال الله” والقرب من آلام البسطاء…وفي الآن نفسه الحرص على إعمال الفكر وطرح الأسئلة الجريئة حول بنية المجتمع وثقافته وروافد هويته وتجديد المقاربات لصياغة بدائل تمشي في اتجاه دمقرطة العلاقات بداخله، جنبا إلى جنب الوجه الآخر الذي يهم دمقرطة الدولة.

أدى ضريبة انخراطه والتزامه النضالي، بقضاء سنوات في المنفى، شرقا (سوريا) وغربا (فرنسا)، حيث تابع دراسته الجامعية بباريس، والتقى في ردهات معهد اللغات الشرقية بآن ماري، الفرنسية التي كانت تدرس اللغة العربية وأصبحت تتقنها بشكل ملحوظ، وهي السيدة التي ستصبح زوجة له وأما لبنتيه…تزوجت آن ماري الرجل ومعه عانقت البلد وعاشت حياتها في دروب وأزقة الرباط”.

ولد أبو العزم سنة 1941 بمدينة مراكش، في بيئة مشبعة بروح الثقافة التقليدية، حيث كانت اللغة العربية أكثر من أداة تواصل، كانت هوية وانتماء، ومن هناك، بدأت ملامح شغفه المبكر تتشكل، قبل أن يشق طريقه في مسار أكاديمي صلب قاده إلى التخصص في الدراسات اللغوية والمعجمية، المجال الذي سيصبح لاحقا بصمته الأبرز.

لم يكن مساره الأكاديمي عاديا، فقد حصل على الماجستير من جامعة السوربون في الفكر الإسلامي، ثم نال دكتوراه الدولة من جامعة الحسن الثاني في المعجميات، ليعود بعدها إلى الجامعة أستاذا وباحثا، مساهما في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين، من خلال إشرافه على “وحدة البحث والتكوين في علوم اللغة العربية والمعجميات”ّ، التي تحولت إلى ورشة حقيقية لإنتاج المعرفة اللغوية بالمغرب.

في مجال السرد، أصدر عبد الغني أبو العزم “الضريح” و “الضريح الآخر” وهما عبارة عن جزءين من سيرة ذاتية روائية ترصد تجربة جيل كامل وتوثق تحولات اجتماعية وتاريخية مغربية، الى جانب مجموعة قصصية بعنوان “ظلال البيت القديم”.

وأصدر الفقيد بشراكة مع أحمد شحلان الترجمة العربية للكتاب المهم الذي ألفه حاييم الزعفراني حول “ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب”، كما حقق كتاب “أعز ما يطلب” للمهدي بن تومرت.

وتشمل قائمة كتبه أيضا “المنهج والنص: مدخل إلى التحليل الإحصائي اللغوي للنصوص الأدبية”، “الثقافة والمجتمع المدني”.

وفي المعجميات، خلف أبو العزم عدة إصدارات من بينها “المعجم المدرسي أسسه ومناهجه”، “المعجم الصغير”، و”معجم تصريف الأفعال” و”المعجم اللغوي التاريخي، منهجه ومصدره”، وتوج مجهوده في هذا المجال بتأليف معجم خاص هو “الغني الزاهر” في أربعة مجلدات، كما ترأس الجمعية المغربية للدراسات المعجمية.

ونال أبو العزم جائزة المغرب للكتاب في صنف الابداع لعام 1996.

عبد الغني أبو العزم لم يكن مجرد أستاذ جامعي يلقن دروس اللغة، ولا معجميا يشتغل في صمت بين دفات القواميس، كان واحدا من أولئك الذين جعلوا من اللغة مشروع حياة، ومن الكلمة معركة فكرية وثقافية، الرجل الذي عاش بين المعجم والنضال، وكتب اسمه في ذاكرة الثقافة المغربية باعتباره أحد حراس العربية في زمن التحولات.

برحيله يفقد المغرب والعلم العربي عقلا موسوعيا نادرا، جمع بين صرامة الباحث، وقلق المثقف، ونفس الأديب، الذي لم يتخل يوما عن حسه الإنساني وهو يغوص في أدق تفاصيل اللغة.

عن بيت الفن